ليبيا: الاقتتال المعقد

ليبيا: الاقتتال المعقد

علي اليوسف

اليوم وبعد تسعة أعوام يبدو واضحاً حجم الكارثة التي لحقت بـ ليبيا الغنية بالموارد النفطية، فقد تحولت البلاد وبتآمر من بعض العرب إلى بؤرة تطرف جاذبة للإرهاب وللإرهابيين، بالتزامن مع التوريد المستمر للسلاح من بعض العواصم الغربية والإقليمية والعربية لإدامة فصول الصراع العسكري على الأرض الذي ترك حتى الآن عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الآلاف من المشردين والمهجرين واللاجئين ودماراً كبيراً بطريقة ممنهجة لكافة البنى التحتية.
على مدار أعوام الفوضى والقتال وجدت ليبيا نفسها في حرب مركبة لجهة آلاف الإرهابيين العابرين للقارات، وملايين الأطنان من الأسلحة التي حولت مدناً بأكملها إلى دمار كامل. إنها حرب معقدة قوامها المصالح الصهيو –أمريكية وليس لها أي علاقة بكل الشعارات المخادعة، لأن تفاصيل الحرب جهزت على مراحل وحلقات وبمشاركة دول عربية وإقليمية.
لقد عكست الحرب على ليبيا حجم الأهداف والرهانات المتعلقة بكل ما يجري على الأرض، وهي أهداف تتداخل فيها الحسابات الدولية مع الحسابات الإقليمية، كما تتداخل فيها ملفات الثروات الطبيعية فيها إلى أقصى الحدود. ورغم ذلك هناك مؤتمرات دولية، ولقاءات هنا وهناك من أجل تشكيل حكومة وفاق ليبية، لكن هذه المؤتمرات وتشكيل هذه الحكومة تتم خارج ليبيا وكأن وصاة الحرب بغض النظر عن أهدافهم هم من يقررون مصير البلاد بعيداً عن جغرافيتها ومواطنيها.
منذ عام 2011 تحولت ليبيا نتيجة تحالف بعض الأنظمة العربية والنظام التركي مع حلف الناتو إلى دولة معدومة الاستقرار، ومن الواضح حتى الآن أنه سيستمر لأعوام قادمة. ومنذ مطلع العام الحالي 2019 حصلت تطورات دراماتيكية “دموية” عاشتها ليبيا من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها، فقد اشتعلت جبهات عدة على امتداد الجغرافيا الليبية في ظل دخول متغيرات وعوامل جديدة وفرض واقع وإيقاع جديد للخارطة العسكرية هناك، وخصوصاً بعد عودة تمدد الإرهاب في شكل واسع بمناطق شرق وجنوب شرقي ليبيا.
هذا الواقع الذي فرض نفسه في ليبيا يدلل بشكل كارثي على الحالة الماسأوية لـ ليبيا فقد فرض الواقع العسكري نفسه وبقوة رغم كل التجليات المأساوية التي عاشتها الدولة الليبية مؤخراً ، وشهدت البلاد خلال الأشهر الثلاث الماضية صراعاً دموياً بين ميلشيات مدعومة بأجندات خارجية، وتعدد هذه المليشيات المسلحة لا شك أنه أفرز حالة صراع دائم فيما بينها، حتى ارتبط هذا الصراع المحلي بصراع إقليمي – دولي، ما ينذر بالمزيد من الفوضى داخل الدولة الليبية مستقبلاً خاصةً مع عودة ظهور جماعات متطرفة متواجدة بشرق وجنوب شرق ليبيا كانت أعلنت ولائها ومبايعتها منذ عام 2016 لتنظيم “داعش”، وهذا ما سيزيد التعقيد المستقبلي للحالة الليبية.
مع مرور السنين على القتال فقد حان الوقت للتركيز على الصورة الكبيرة للتطورات. في الواقع أن كل من الجيش الوطني الليبي المتمركز في بنغازي بقيادة خليفة حفتر، وحكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج، لديهما سيطرة جزئية على ليبيا ومواردها.
في المقابل، عندما قام الجنرال خليفة حفتر بمواجهة المتطرفين الذين يجتاحون شرق ليبيا، حظي الجيش الوطني الليبي بالتصفيق من قبل جميع الناس الذين يقفون ضد التطرف، لأنه لولا الجيش الوطني الليبي لكان من الممكن أن تقوم المجموعات الإرهابية بغزو بنغازي ودرنة وباقي مناطق شرق ليبيا مثلما حدث في سورية والعراق. لهذا السبب تمكن الجيش الوطني الليبي من الحصول على دعم عربي ودولي واسع النطاق في حربه ضد المتطرفين في الشرق، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن ليس كل المجموعات الموجودة في جانب حفتر تتفق معه في نظرته العلمانية.
إن استمرار الصراع الدموي في ليبيا يفتح المجال أمام خطر المتطرفين في جميع أنحاء البلاد. بعد هزيمة “داعش” في سورية والعراق، أصبح “داعش” الآن أكثر تركيزاً على التوسع في إفريقيا وأصبح الخطر الذي يمثله على ليبيا اليوم أكبر من أي وقت مضى.
لعل أحد الأسباب التي جعلت المشكلة السياسية الليبية مستعصية الحل هي أن كلاً من النظام التركي ومشيخة قطر يلعبان دوراً مفسداً في ليبيا منذ الأيام الأخيرة لمعمر القذافي. لم يتم نسيان أنه في الساعات الأخيرة للقذافي ، كانت مشيخة قطر أكثر انشغالاً بتسليح ميليشياتها من أجل المستقبل. الآن، إلى جانب الإسلاميين السياسيين في تركيا ، تعد قطر أحد مثيري الشغب الرئيسيين. بعد مرور تسعة أعوام من غزو حلف الناتو وبدعم عربي للأراضي الليبية، يمكن القول: إن المشهد الليبي يزداد تعقيداً مع مرور الأيام ، وهذا ما يستلزم وضع خطوط عمل فاعلة على الأرض الليبية من قبل بعض القوى الليبية الوطنية لوضع حد للفوضى وتنسيق حلول مقبولة لإيقاف حالة النزيف التي يتعرض لها الوطن الليبي وإلا ستبقى ليبيا الدولة بكل مكوناتها تدور بفلك فوضوي طويل عنوانه العريض هو الفوضى والصراع الدائم على الأرض الليبية، والخاسر الوحيد من هذه الفوضى هو الشعب الليبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة