أيّهذا الشاكي (2)

أيّهذا الشاكي (2)

د. نضال الصالح
منذ ذلك الصباح، وحتى صباح اليوم الذي تعرّف مجد فيه إلى قصيدة أبي ماضي، وهو لا يعرف من الحياة غير متواليات المواجهة مع الحياة، ليس أيّ حياة بل تلك المرهقة بظلال الأشياء، أو بأشباهها، أشباه بشر وليسوا بشراً، وأشباه أفراح صغيرة وليست أفراحاً، ولاسيما بعد أن أنشبت الحرب مخالبها في لحم البلاد من أقصى جرحها في الجنوب إلى أقصى ملحها في الشمال، ومن أعمق حنّائها في الشرق إلى أبهى برتقالها وليمونها في الغرب، ثمّ ما كان ممّن كانوا أصدقاء قبل الحرب، وتكشّفت الأخيرة عن غير ذئب فيهم، ذئب لا يعنيه من أمر البلاد والعباد سوى ما يعنيه، حتى لو كانت الطريق إلى ذلك متخمة بالغيبة والنميمة والكذب والنفاق والخداع، حتى بالدم والدمار والخراب.
منذ ذلك الصباح، وحتى صباح ذلك اليوم وثمة صور لوحوش في هيئات بشر تغزو رأسه، تفترسه من جهاته كلّها، حتى تنهك قواه، وحتى يسبح في دم يقينه الذي لم يخذله يوماً بأنّ للباطل جولة، وبأنّ للحقّ جولات مهما توهمت الوحوش أنها أتت على آخر نقطة دم ترتع راضية مرضية في جسده.
منذ ذلك الصباح وهو يستعيد صور تلك الوحوش، ممّن لم يكن لأيّ منها نصيب، بل أدنى نصيب، من اسمه، بل نقيضها تماماً، سوى ذلك الذي يحيل اسمه على بوّاب الجحيم، حيث اسمه هو تماماً، “منّاع للخير معتد أثيم”، والذي طالما كان يقسم بأنه لا يطعن، ولا يغدر، ولا يخون، ولا يحسد، ولا.. ثمّ ذاب الثلج وظهر المرج، فإذا تحته نفقٌ مزدحم بالطعنات، والغدر، والخيانات.
ولم يكد مجد يدفع عن روحه خوار تلك الصورة في رأسه، صورة الطعّان والغادر والخؤون والحسود، حتى استعاد بيت أبي ماضي: “قلتُ: ابتسم، لم يطلبوك بذمّهم/ لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما”، ثم آخر: “قال: الليالي جرّعتني علقماً/ قلتُ: ابتسم، ولئن جرعت العلقما”، ثم صورة الأستاذ وهو يقول له: “أكملْ يا مجد، أكمل يا بنيّ”، فصورة أبيه من قبلُ وروحه تصعد إلى أبعد كوكب عن حوافر الحياة، فصورته نفسه وهو يرمي فيوليت، صديقة الأمس وذئبة اليوم، بنظرة احتقار عندما قالت له بلؤم يشبه الهواء الأصفر: “لا بقيتُ إن تركتك تهنأ ساعة في حياتك” بعد أن قال لها إنها يمكن أن تكون أيّ شيء سوى شاعرة أو كاتبة قصة أو روائية.. أو أيّ شيء يعني الإبداع، وإنّ الزمن سيصفعها بالحقيقة ذات يوم ليس ببعيد مهما كان من أمر النقّاد الزيف، والإعلاميين الزيف، والمنابر الزيف.
ليلة بأكملها ومجد يستعيد ما عبر بحياته من العصف الرجيم، والبشر الذئاب، وبين صورة لعصف وأخرى لذئب يتوقف عند بيتين ممّا سماه الأستاذ بديعة أبي ماضي: “يا صاحِ، لا خطر على شفتيك أن/ تتثلما، والوجه أن يتحطما. فاضحك، فإنّ الشهب تضحك والدجى/ متلاطمٌ، ولذا نحبّ الأنجما”…. (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة