تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر

تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر

تضم المجلدة الحادية والعشرون من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر الصادرة عن مجمع اللغة العربية بدمشق بين دفتيها تراجم من حروف الدال والذال والراء لرجال أماثل –كما سمّاهم المحقق مأمون محمد سعيد الصاغرجي- حلّوا في دمشق أو اجتازوا بنواحيها من وارديها وأهلها، وكان لهم شأن في التاريخ ففيها الأنبياء المختلف في تسميتهم: ذو الكفل بن أيوب، فقيل في اسمه إلياس واليسع، وفيها من الفاتحين الأوائل الذي أخضع لسلطانه ممالك العالم القديم، وفيها من أجلاء الصحابة دحية بن خليفة الكلبي، ورافع بن مكيث رضى الله عنهما، ومن المختلف في صحبتهم رباح بن قصير اللّخمي، ورافع بن عميرة الطائي، الخرّيت الحاذق في قطع المفاوز، الذي دلّ خالد بن الوليد في مسيره من العراق إلى الشام، وفيها من الذين أدركوا النبي “ص” ولم يروه العالم بأخبار الماضين النسّابة دغفل بن حنظلة، وذو الكلاع الحميري، ومن التابعين ربعي بن حراش، وراشد بن سعد المقرئي، ومن الشعراء الجاهليين الذي قتل يوم حُنين كافراً دريد بن الصمة، ومن الشعراء العباسيين دعبل بن علي الخزاعي، ودكين الراجز، وداود بن سلم، وأبو المطاع التغلبي المعروف بوجيه الدولة، ومن الملحنين المطربين دحمان الجمال.

وفيها أيضاً من الزهاد العبّاد، والحكماء الوعّاظ ذو النون المصري أبو الفيض، وذو الفقار بن محمد بن معبد الضرير، ومن الأجواد الكرماء المحدّثين دعلج بن أحمد، ومن المحدّثين الثقات: داود بن أبي هند، وداود بن رشيد وغيرهم من الأعلام الذين زينوا تاريخ الأمة بأقوالهم وأفعالهم، وكانوا فخراً للعرب وعزاً لمجدهم الغابر.

التاريخ

عنيت في هذه المجلدة –كسابقاتها التي حققتها- بالكشف عن أصول هذا التاريخ، ومصادره التي اعتمدها المؤلف الصاغرجي في جمعه، وذلك من طريق أسانيده ورجالاته سواء منها المخطوط أو المطبوع، وكلما أبلى الجديدان من أعمارنا أدّت إلينا المطابع الجديد من الكتب الأصول التي كانت حبيسة الخزائن، فيتهلل بها وجه المكتبة العربية غنىً وتألقاً، فما كان بالأمس مخطوطاً بعيد المنال أضحى اليوم على طرف الثمام من مثل الطبقات الصغير لابن سعد، والجزء الثاني من جمهرة نسب قريش للزبير بن بكار، والمخلّصيّات لأبي طاهر المخلّص، وغيرها كثير، فكان في ذلك الفتح المبين والنفع العميم، إذ وثق الكتاب وعمل المؤلف من جهة وقوّم النصوص والأسانيد التي اعتراها الخلل من جهة ثانية وكان في تتبع تلك الأصول وإبرازها دلالة على طول باع المؤلف في الجمع والإحاطة مع بلوغ الدقة والأمانة وسعة الرواية وجودة الفهم وحسن الدراية حتى أحرز قصب السبق وأشرف على الغاية.

أهمية المجلدة

ولعل أبرز ما يميز هذه المجلدة عن سابقاتها التي قام المؤلف بتحقيقها أمران: الأول: كثرة الخروم في أجزائها، والسقط الذي أخلّ بها، ولعل هذا ما دفع بعضهم إلى صرف النظر عن تحقيقها وتجشّم صعابها، وإذا تم النظر في حواشيها ظهر ذلك واضحاً، كم صرف فيها من الوقت والجهد في ترميمها والتعليق عليها، وقد يكون السقط الأول أحياناً في بعض النسخ دون بعضها الآخر فبمجموع نسخها قامت هذه المجلدة، ومن الواضح أن المؤلف لم يدخر جهداً في تصحيح ما وقع من نصوص وأسانيد نشرت في المجلدات السابقة، إذ لا تخلو من فائدة فكان يذكرها في الحواشي.

والأمر الثاني هو فقدان هذه المجلدة إلى نسخة البرزالي التي كانت النسخة الأم في بعض ما صدر، وقد كان لهذه النسخة –علاوة على صحتها ودقتها- فضل الإشارة في تضاعيفها إلى ترقيم تجزئة الأصل والفرع، وهذا الترقيم على قدر عال من الأهمية، إذ يدل على عدد مجلدات الكتاب وترقيمها الترقيم الصحيح ومعرفة الأجزاء الناقصة فيه، وربما تكشف قادمات الأيام أن الترقيم الذي صدر لبعض المجلدات المطبوعة ترقيم خاطئ لغياب بعض أجزاء هذه النسخة القيمة من نسخ البرزالي رحمه الله، ومن حسن الحظ في هذه المجلدات أن بين مصورات المجمع نسخة الرباط المغربية، والتي رمز لها بـ”ط” وهي نسخة جيدة في بعض أقسامها تلتقي مع نسخة البرزالي في الضبط والإعجام أحياناً، وقد تحدث محققو المجلدات التي صدرت سابقاً عن وصف هذه النسخ المشار إلى رموزها بعد هذه السطور ثم إن الملاحظات التي كتبها المحقق مأمون الصاغرجي عنها في المجلدة 25 تنطبق على أصول هذه المجلدة أيضاً واكتفى المؤلف بعرض بدايات هذه النسخ ونهاياتها عقيب هذه المقدمة.

ويختم المؤلف المجلدة بالقول: إنه لحريّ أن لا اذكر ما يلقاه المحقق من العناء والمشقة، من ضعف الأصول التي بين أيدينا من الكتاب مع ما يكتنفها من التصحيف والتحريف والسقط، وحسب المنصف أن ينظر في حواشيها –كما أسلفت- والتي تخففت منها قدر المستطاع، ومع ذلك لا يخلو عمل الإنسان من هنات مهما بذل من جهد ورحم الله المصنف إذ أدرك هذا النقص في طبيعة بني آدم، حيث قال في مطلع كتابه هذا: فمن وقف فيه على تقصري أو خلل أو عثر فيه على تغيير أو زلل فليعذر أخاه في ذلك متطولاً وليصلح ما يحتاج إلى إصلاح متفضلاً، فالتقصير من الأوصاف البشرية وليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية وكأنه يقول مع القائل:

إن تجد عيباً فُسداَّ الخللا          جلّ من لا عيب فيه وعلا

جمان بركات

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة