محمد محفل.. للسنديان أيضاً تاريخ

محمد محفل.. للسنديان أيضاً تاريخ

عرفه السوريون وترسخت صورته كرجل جلله الشيب والوقار حتى أصبح كمنارة متحركة، عُرف عنه أنه كان ينظر إلى التاريخ على أنه الثقافة الأشمل، وهو محتوى الحضارة والتراث البشري.

الدكتور محمد محفل علم من أعلام ثقافتنا الوطنية، ومنارة من مناراتها المعاصرة، حفيد الكاتب السوري القديم لوقيان السميساطي و”بلدياته”، تمتع بخصائص وسمات المؤرخ الرصين الذي يتقصى الحقيقة وفق منطق عقلي بعيداً عن الخرافات والمبالغة.

حين كان يحدثك عن طريق البخور، فلا بد أن تشم رائحة البخور، وحين يحضر الحرير فسوف يأخذك إلى آفاق لن تعود منها إلا وقد رأيت.

هذه واحدة من الشهادات التي أوردها الكاتب ناظم مهنا في كتابه لواحد اعتبر من آخر الموسوعيين علماً وعملاً وتجدداً وغوصاً في الحقائق والأوهام والأكاذيب التاريخية، هو د.محمد محفل، هذا الكتاب الذي حمل نفس العنوان ضمن سلسلة أعلام ومبدعون صادر عن وزارة الثقافة- الهيئة العامة السورية للكتاب.

صور شخصية ومسيرة علمية

يبدأ ناظم مهنا كتابه بالتعريف عن محمد محفل الذي ولد 1928 في مدينة حلب، منذ مراحل التعليم الأولى أظهر محفل نبوغه وتفوقه الدراسي وحتى المرحلة الجامعية، فكان من الأوائل في كلية التاريخ، وعليها أوفد إلى جامعة السوربون، لنيل الدكتوراه في التاريخ القديم وهناك تابع حلقات في اللغة الآرامية والتاريخ الآرامي وتعمق في اللغتين اللاتينية واليونانية ونال درجة الماجستير، إلا أن علاقته الوثيقة بالجزائريين المناهضين للاستعمار الفرنسي للجزائر في ذلك الوقت تسببت باستبعاده من فرنسا عام 1956 فغادرها إلى جامعة جنيف ليتابع دراسته ولينال شهادة الدكتوراه هناك في التاريخ القديم بعنوان “دور الرقيق في انحطاط الإمبراطورية الرومانية”. عاد إلى سورية ليدرّس في قسم التاريخ بجامعة دمشق التاريخ القديم واللغات القديمة، لا سيما الآرامية، ومن مؤلفاته لطلاب قسم التاريخ: تاريخ الرومان، المدخل إلى اللغة الآرامية، المدخل إلى اللغة اللاتينية، ومن أعماله أيضاً تاريخ العمارة لطلاب هندسة العمارة ومازالت هذه المؤلفات تدرس، كان يحظى بمكانة مرموقة بين طلابه وزملائه المؤرخين، وفي الأكاديميات العربية والدولية أطلقوا عليه ألقاباً ونعوتاً تبجيلية كثيرة منها: أستاذ الأساتذة، شيخ المؤرخين السوريين وكبيرهم، حارس التاريخ السوري، حارس الآرامية.

المؤرخ

إذا كان التاريخ في أحد تعريفاته هو علم دراسة الماضي، فهذا لا يعني بالضرورة أن المؤرخ رجل ماضوي لا يُعنى إلا بما جرى من حوادث في الماضي البعيد أو القريب، بل المؤرخ يُعنى بتقصي أحداث الماضي من أجل الحاضر والمستقبل لكي تستنير الأجيال اللاحقة بما فعله أسلافها أين أخطؤوا وأين أصابوا؟ وما الدروس والعبر المستفادة من معرفة التاريخ الماضي لشعب من الشعوب؟ وهو لذلك كان يقول نقلاً عن الفرنسيين: “الماضي ليس دائماً هو الماضي، بل الماضي هو حاضر، وبمقدار ما تتم قراءة هذا الماضي، يمكن للحاضر أن يستنير ويعتبر بما جرى لأسلافه، ويستفيد من تجارب الشعوب والحضارات فيما بعد”.

من هذا الفهم العميق انطلق محفل في رحلته، وأبحر وتبحر في التاريخ وخلال مسيرته التدريسية كان دائماً يدعو الباحثين في التاريخ إلى الاجتهاد والتواضع.

كان مؤرخاً جاداً يسعى لاستخراج الحقائق، كرس حياته في سبيل البحث التاريخي، وكان يذهب بتنبه إلى المصادر التاريخية ويجري عليها تفحصاً وتحليلاً وتقاطعات حتى تكون النتائج مقنعة وقريبة إلى الواقع قدر الإمكان، أثار المؤلف ناظم مهنا جوانب تنظيرية جديرة بالاهتمام تعرّف بالتاريخ وكيف يعمل المؤرخ، فالكثيرون يعتقدون أن كتابة التاريخ سهلة جداً وبسيطة وأنها في متناول يد كل من استطاع التعبير عما يجول في خاطره.

محفّل واللغات القديمة

من منطلق رصد العلاقات بين اللغات وبين الشعوب والحضارات، اهتم محفّل باللغات القديمة، واستحوذت الآرامية على اهتمام كبير منه، فاللغة الآرامية كانت عالمية انتشرت في مرحلة تاريخية في كل جهات الأرض لمرونتها وسهولة استخدامها في التجارة والمعاملات والمواثيق، ويذهب الدكتور محفل إلى أن الآرامية هي اللغة الأم للعربية.

للسنديان أيضاً تاريخ

احتوى الجزء الأخير من الكتاب على شهادات عدة قيلت بالدكتور محمد محفل، إذ يصفه أستاذ التاريخ في جامعة دمشق الدكتور عيد مرعي بأنه كان دمثاً خلوقاً صاحب نكتة، كان يكسر الحواجز ويتحدث معي كصديق يكن له كل المودة والاحترام، كان متعمقاً في كل فروع المعرفة.

أما صديقه والباحث أيضاً في التاريخ القديم الدكتور بشار خليف يقول: محفل أهلاً لذات التاريخ السوري، لم يقيده غلاف كتاب، كان يراقص الفكرة على رؤوس أصابعه قبل أن يقدمها محفوفة بالدهشة والسؤال سعياً لمعالم الكشف والحقيقة، انفرد محفّل بمنهجيته التي تقول إن كل آبار التاريخ مملوءة بماء الحياة، لكن للتاريخ ما يظهر وما يخفى وقدرة الباحث هي في تفكيك السائد، وقلب البديهيات في محاولة إعادة الحدث التاريخي إلى اتزانه وتوازنه بعيداً عن الأفكار المسبقة والمسبقة الصنع.

في عام 2019 خسرت سورية إحدى قاماتها العلمية، محمد محفل لم يترك فراغاً فقط، بل ترك منهجاً كان ينبغي أن يوَّرث لكادر يكمل ما أوقفه الموت من حياة ومنهج وإنسان.

علا أحمد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة