ثقافةصحيفة البعث

سرديات الحياة

 

أحمد علي هلال

ما علاقة الواقع بالإلهام، وهل يشكل الواقع بذاته وبكل ما ينطوي عليه من مفارقات ومآثر مادة خصبة للخيال، ولنصوص الكتابة الآن؟.
على الأرجح أن الواقع يشكل كل ذلك وأكثر، فضلاً على أنه يتطلب من المبدع تأليفاً جديداً، ذلك أن مادته المخّصِبة للنصوص مازالت تشكل بدورها غير حافز للنص والدلالة وأفقها البعيد، الناهض ليس ببلاغة حالة ما فحسب، وإنما بتدوير هذه الدلالة وإثرائها ببلاغة الأرواح، لا سيما تلك التي نطقها أحد رجال الجيش العربي السوري الفرسان والذي فقد قدميه في ساحات الشرف، حينما جهر بها قائلاً: «هو ذا إسرائي ولا أحتاج لقدمين حتى أصعد إلى السماء»، وهو المكتمل بفعله وفي برهة بعينها يصل بها بلاغة القول بما يحققه من مأثرة مفتوحة على الدوام، لعلها تضع النص الأدبي في المواجهة كيف يبني متخيله، ليس على تعويض الفقد وإنما ذهاباً إلى الاكتمال، وبما يمتلك من طاقة وزخم أبعد من حضور الشاعرية، أو تعليل لحظة أو موقف، بل ذهاباً إلى رؤية سنرى فيها المكان هو حضورات أصحابه، وهذا التماهي الخلاق الذي يجعل للمعرفة خطابها وطريقتها وجلَّ حوافزها، لئن تسطّر مآثر الواقع وتضيف للمخيلة الإنسانية ولا سيما السورية الآن ما يعني ذلك العمق والامتلاء والنفوذ إلى المستقبل بل استحضاره طائعاً، لينكتب بتاريخ من سطروا وقائع وطن إذ تتماهى سيرته بسيرهم، والأدل أمهاتنا الاسم الحركي للوطن بكل ما يعني أن الحياة تعيد تخلقّها هنا، أي بتأثيث الأرواح واستعادتها من أزمنة الألم إلى أزمنة الفرح الطليق، للذين يشهدون صعوده كل فجر، والذين يشهدون قيامته كل صباح سوري مختلف، تماماً كالجسد السوري الذي اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر.
إذن هو ميراث الحكايات السورية العابرة للحكايات والتي تتعدى الإلهام والشغف بالمعرفة، إلى تخوم قصية تصبح فيها أيقونات الأرواح خط أفق مضيء وباهر النبض، كلما أُعيدت روايته ودار مغزل الحكاية وفي ذات السياق تصبح كل الأصوات الصارخة في البرية محمولة على نداء الأبدية، بأن خذوا كتابهم بقوة، فمن أين يأتي الواقع وكيف نعزز بالخيال/ الرؤيا، وكيف تكتب محكياته لزمن قادم، زمن يكتنز ببلاغة عرّابي الأمل أولئك الذين رأى فيهم أندريه مارلو وجورجي أمادو على سبيل المثال، في كتابيهما اللامعين «الأمل، ومجانين الأمل»، حرّاس الأزمنة القادمة التي تشي بالامتلاء والوضوح، المكتنزة باليقين بما يملأ الأرواح من حيوات طازجة تظل صهواتها معلقة من نجمة إلى نجمة، تساهر الضوء ليصبح نهاراً كاملاً، لكن محكياتنا السورية لطبقاتها وتنوع أزمنتها دالة بالفطرة المركبة وبالمعرفة النبيلة، على حضور الحياة ذاتها عبر صيروراتها الكثيفة وتشكيل خطابها العابر حقاً للحياة، إذ لا تُنتزع الأمثلة من سياقاتها ولا يُنتزع المعنى من سياقه، تلك جدلية تحيلنا دائماً وأبداً إلى وضوح ضروري وضوح النهر الطامح إلى تمدد سواقيه، لتخصّب أرض الكلام، فمن يدرك الآن لغة الأرض التي لا تتبدد، وتظل في محراب الأبجدية ناطقة بهوية الإنسان وماهية الحضارة، مهما تكالبت رياح عاتية تهز رؤوس السنابل لكنها لا تقتلعها، وإن أتت من جهات الأرض قاطبة لكنها لا تبدد قمحها، لأنه المنذور للميلاد وللشموخ ولصيرورات الأسطورة حينما تعلن زمناً جديداً، لا تكتفي سردياته، بل هي المتطلبة لئن تروي بكل خفقة حلم، تاريخ هذه الأرض المزنرة بالبروق والمكتنزة الصهيل، تلك ثقافتها من زمن إلى زمن تسير فيه الحكايات في جهر حبرها البصير، حيث الواقع مجازها الكبير بفطنة الإلهام لا بخيالات الغزاة الطامعين.. ذلك هو «قمر الثقافة» الذي يطل من علٍ على جراح أرضنا، تورق مقاومة حكايتها لا تنتهِ.