تحقيقاتصحيفة البعث

حياة المتقاعد.. الاستمرار المجتمعي والأسري أو الاستسلام لحالة الفراغ والملل

 

لم يستسلم أبو أحمد الذي أحيل على التقاعد لحالة الفراغ والملل التي وجد نفسه فيها بعد سنوات من العمل الدؤوب الذي كان يشغل له وقته وفكره، فاستغل تحصيله الدراسي في الاقتصاد والتجارة، وخبرته العملية التي اكتسبها خلال عمله في إحدى الدوائر المالية لإعطاء دروس خصوصية في مادة الرياضيات لطلاب الشهادة الثانوية، وأصبح أستاذاً معروفاً تنهال عليه طلبات التدريس، فاستفاد الرجل مادياً ومعنوياً، واستطاع بهمته القوية وروحه الرياضية التغلب على مرحلة صعبة تعد هاجساً يقض مضاجع المقبلين على التقاعد، ويتعرّض البعض خلالها لأزمات نفسية نتيجة اختلاف جذري في أسلوب الحياة، والتوقف عن الإنتاج، والإحساس بأن التقاعد يجعل من صاحبه شخصاً عديم الفائدة.
الحالة التي تنتاب المتقاعد من العمل تستدعي البحث بكيفية التعامل مع حياة جديدة، والتأسيس لها على نحو يفيد المتقاعد وعائلته ومجتمعه على حد سواء، وضرورة تعاون أفراد الأسرة مع المتقاعد، سواء الأم أو الأب، على الانسجام مع تلك المرحلة الجديدة، والاهتمام به أكثر، وغرس فكرة أن التقاعد هو فترة الراحة التي ينتظرها أي مكافح في هذه الحياة.

بداية جديدة
إن النظرة السلبية للمتقاعد تعود لترويج المجتمع لفكرة أن التقاعد هو نهاية الإنسان العملية، كما تفيد الدكتورة في علم الاجتماع هيام المحمد، وأنه أصبح في مراحله الأخيرة، ولا فائدة ترجى منه، وتلك النظرة تسود المجتمعات التي تتعامل مع الأفراد على أساس المصلحة، ويقدر احترامها له بما ينتجه ويقدمه فقط، فإذا تقاعد انتهت صلاحيته، وأصبح عبئاً، وفقد احترامه ومكانته، في حين ترى بأن أخلاقيات المجتمع ونمط تفكيره يجب أن تتجه نحو الاستفادة من تلك الكفاءات والخبرات المتراكمة على مدار الزمن من خلال إيجاد صيغة معينة لاستمرارهم بعملهم بصفة مستشارين على سبيل المثال، إضافة لضرورة محاربة الأفكار المغلوطة التي تسيء للإنسان والمجتمع، ونشر ثقافة الاحترام والتقدير لأفراد كرّسوا حياتهم وعلمهم ووقتهم في تقديم كل ما يفيد الوطن والمواطن، والنظر للتقاعد على أنه بداية حياة جديدة يعيد فيها الإنسان ترتيب أوراقه، ويكيف نفسه على هذه المرحلة، خاصة إذا كانت حياته العملية قبل التقاعد مليئة بالعمل من بداية دوامه اليومي حتى نهايته، أما بالنسبة للموظف الذي لم يتحمّل أعباء ومسؤوليات أثناء حياته العملية فإن الأمر لا يختلف عنده بعد التقاعد عن قبله، وهم كثر مع الأسف، والفئة الأخيرة من الموظفين هم الذين تكون لديهم فرصة سانحة للتخطيط لما بعد التقاعد، وقد لا تنحصر المسألة في التخطيط فقط، بل تتعداه إلى التنفيذ، وتضيف المحمد بأن على المتقاعد أن يدرك بأن التقاعد هو فرصة للتفرغ للكثير من الأمور التي انشغل عنها في السابق، منها تمتين علاقاته الاجتماعية، وممارسة هواياته المفضلة كالرياضة، والمطالعة، والتخطيط لمشاريع سياحية، أو تجارية تشغل له وقته، وتعود عليه بالربح المادي، أو القيام بنشاطات خيرية مع الجمعيات والمجتمع الأهلي.

مسؤولية جماعية
تلعب هنا شخصية الفرد دوراً كبيراً في القدرة على تجاوز الصعوبات، فكثيراً ما نلاحظ أفراداً بعد إحالتهم على التقاعد يصابون بالاكتئاب، ويتعرّضون لجلطات وموت مبكر، وتحدثت المحمد عن اختلاف في نظرة المجتمع لتقاعد المرأة عن الرجل، ففي المجتمع الذكوري لا يشكّل تقاعد المرأة مشكلة، بل على العكس تعتبر إحالة المرأة على التقاعد بمثابة عودة لها لحياتها الطبيعية القائمة على النهوض بالأعباء المنزلية فقط، في حين يستهجن جلوس الرجل في المنزل، لأن دوره منوط بما يجنيه من عمله، ويقدمه للمنزل وللعائلة، وتؤكد المحمد على أهمية المسؤولية الملقاة على عاتق أفراد الأسرة في رفع معنويات المتقاعد، والتعاون معه على إقامة مشاريع منزلية كزراعة مساحة قد تكون في حديقة المنزل على نحو لا يشعر فيه الأب بالشفقة أو المواساة، بل على العكس إخبار الأب دائماً بأن الجميع ينتظر تلك المرحلة لقضاء أكبر وقت ممكن معه بعد أن غاب عنهم سنوات طويلة قضاها بالكد والعمل.

المحرر