ســـــــنـتـيـا الــــوادي ما تـــــــزال فـــي الـــذاكــــــــرة

ســـــــنـتـيـا الــــوادي ما تـــــــزال فـــي الـــذاكــــــــرة

مقطوعة روندو لشوبرت التي عزفتها همسة الوادي القادمة من فنلندا مع زوجها كارلوس جوريس بأربع أيدي على بيانو واحد، والتي مثلت قفلتها الحزينة الخافتة حتى السكون الحنين والفراق، لتشارك في الأمسية التي أقيمت في الأوبرا بالتعاون بين المعهد العالي للموسيقا ومعهد صلحي الوادي والأوبرا لمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل سنتيا الوادي الشريكة الحقيقية لمشروع صلحي الوادي والتي بقيت بالظل بإعداد وتقديم ملهم الصالح. وقد جمعت بين الحواريات التسجيلية والتوثيق والعزف المنفرد بحضور طلابها الأساتذة الذين حصلوا على جوائز عالمية وجمهور نخبوي، وكشفت الأمسية عن جوانب خفية في شخصية سنتيا الوادي التي بقيت بالظل رغم أنها شريكة صلحي الوادي في الحياة والموسيقا.

ولم تكن تدري سنتيا أن ذاك الفتى الذي لمحته في محطة القطار يحمل الكمان تحت ذراعه سيصبح العالم بأسره بالنسبة إليها، هذا ما عرفناه في الفيلم التعريفي الغني الذي توقف عند أهم المراحل التي عاشتها واختزل سيرة حياتها وطفولتها التي شهدت الحرب العالمية الثانية، فبدأ من تاريخ ولادتها في مقاطعة ويلز في التاسع عشر من أيار عام 1934، وتطرق إلى عمل والدها بالخدمة المدنية ووالدتها التي كانت تجيد عزف البيانو، أما أختها الوحيدة فكانت عضواً في كورال أوبرا ويلز، بدأت بالعزف على البيانو قبل الخامسة، ومن ثم بدأت بدراسة الموسيقا بالعاشرة وتميزت بالثالثة عشرة وبعد الثانوية حصلت على منحة من الأكاديمية الملكية البريطانية للموسيقا في لندن، وفي عام 1952 التحقت بالأكاديمية لتدرس البيانو والتأليف الموسيقي، وتطورت قصة الحب مع فتى القطار صلحي الوادي، وفي عام 1955تزوجا، وزارت دمشق وعاشت في منزل آل الوادي القريب من حديقة المدفع، وتنقل الزوجان بين لندن وبغداد ومدن أخرى إلى أن استقرا في دمشق عام 1960وبدأت رحلتهما بالحياة والموسيقا، فساهمت مع زوجها وعدد من الأساتذة بتأسيس المعهد العربي للموسيقا عام 1961ومن ثم المعهد العالي للموسيقا عام 1990، والفرقة السيمفونية الوطنية السورية عام 1993، عزفت على أهم المسارح العالمية، وشاركت في المهرجانات الدولية وتميزت بأدائها بموسيقا الحجرة، وحصلت على جائزة فرانز ليزت، وخرجت د.غزوان الزركلي وميساك باغبودريان وهمسة الوادي وسعاد بشناق وسماء سليمان وغيرهم.

المنعطف الكبير في حياتها في السابع من نيسان عام 2002حينما سقط صلحي الوادي على المسرح في قصر المؤتمرات وهو يقود الفرقة السيمفونية فتفانت برعايته، ولحزنها الشديد داهمها المرض وتوفيت في عام 2009 ودفنت بجانب قبره لتكتمل مسيرة الحب بينهما.

الهجاء الأسود

في هذه الفعالية اتخذ الحوار طابع اللقاءات التسجيلية مع عدد من الشخصيات التي عاصرت سينتا الوادي مثل الباحثة إلهام أبو السعود التي تحدثت عن تعلمها اللغة العربية واتقانها اللهجة الشامية المحكية، ومع طلابها ومنهم أثيل حمدان الذي تحدث عن خبرتها التدريسية التي شكّلت مرجعية حقيقية لطلابها ودقتها بعدم تجاوز أي خطأ ومعرفتها بأدق التفاصيل، وتوقف عند ما يميزها بالهجاء الأسود فمن خلال الضحك تفهم الآخر ما تريده.

وتطرقت مساعدتها عبيد إلى جوانب خفية في شخصيتها كحبها للقطط واهتمامها بزراعة النباتات بالمعهد، وتطرقت إلى مشاركتها بالمناهج والبرامج الدرسية وحضورها البروفات ومشاركة صلحي الوادي بالرأي، وتابعت الشهادات عن إخلاصها بالعمل بالمعهد وقدومها إلى المعهد رغم مرضها على العكاز لتخريج طلابها كما ذكر أمير كلاس.

خلف العملاق

إلا أن السؤال الذي طرحه الصالح هو لماذا لم يكتب عنها أحد؟ ولماذا بقيت بالظل؟ وكانت  الجندي المجهول ووراء الكواليس..وربما كانت إجابة المايسترو حسام بريمو هي الأقرب إلى الحقيقة، حينما قال بأنها كانت ترى بالأستاذ صلحي عملاقاً كبيراً تتوارى خلفه وتنكر ذاتها، لكن الجميع كان يعرف حجمها الحقيقي والكبير والمؤثر، ليصل إلى أن وجودها كان متمماً لمشروع صلحي الوادي.

وتتقاطع شهادة المايسترو ميساك باغبودريان الذي كان من طلابها منذ طفولته في المعهد العربي للموسيقا ومن ثم بالمعهد العالي للموسيقا، والذي استمرت زيارته الودية لها التي تحمل طابع الإشراف الروحي على الموسيقا مع ما ذكره بريمو، فأوضح بأنها لم تكن من الأشخاص الذين يحبون أن يكونوا تحت الضوء، وأن اللحظات التي كانت فيها تمشي إلى جانب صلحي الوادي قليلة جداً كانت دائماً خطوة نحو الوراء، وبيّنت ابنتها ديالا الوادي بأن والدها كان يشركها بالرأي في كل شيء، وبأنها كانت تؤمن بأنها هي وصلحي الوادي شخص واحد.

وكانت شهادة حفيدها داني جوريس باللغة الإنكليزية من فنلندا عن الصعوبات التي واجهتها جدته في بداية حياتها في سورية وتمكنت من تجاوزها، وعن خصوصية العلاقة بينها وبين أحفادها، ويشعر بأنها فخورة  بدراسته الموسيقية.

وحيت السيدة همسة الوادي جمهور الأوبرا وتحدثت عن سنتيا الوادي الأم ليس لأولادها فقط وإنما الأم الحنون لكل طلاب المعهد، وعن تصميمها على تعلم اللغة العربية، وتوقفت عند خاصية أدائها بالعزف المنفرد.

تحية موسيقية

وكان للعزف المنفرد على البيانو الحيز الأكبر من الأمسية بعزف مقطوعات لبيتهوفن وشوبان ورخمانينوف من قبل طلاب معهد صلحي الوادي فعزفت ريتا جعلوك وقيس الصفدي ومن المعهد العالي للموسيقا بشرى خير بيك وآغوب كنوزي، وتميزت همسة الوادي بعزفها مقطوعتين لشوبان “نوكتورنس” مصنف 27-سي شارب مينور ودي فلات ماجور، كما عزف كارلس جوريس ثلاث مقطوعات لرخمانينوف منها “فيفاس” سي ماجور مصنف 31-رقم 1.

اذكروني

مفاجأة الأمسية كانت بلوحة ثنائية من طلابها بغناء سوزان حداد آرية “لامينت” الحزينة بمعنى”اذكروني” من أوبرا- ديدو وإينيسا للمؤلف هنري بيورسيل -مع عزف المايسترو ميساك الذي شبه هذه المقطوعة بالمرساة ورثائية معبّرة عن الحالة التي عشناها بالأمسية برحيل سنتيا الوادي وذكرى الأستاذ صلحي الوادي، مبيّناً بأنها ذات خصوصية وتحمل رسالة لأنها جزء من الأوبرا التي قدمتها الفرقة السيمفونية الوطنية السورية لأول مرة في سورية عام 1995بقيادة صلحي الوادي وكان للسيدة سنتيا دور كبير بتقديم هذه الأوبرا.

ملده شويكاني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة