ســــــــيدة الحــــــــــب و دواء الـــــــــــــــروح

ســــــــيدة الحــــــــــب و دواء الـــــــــــــــروح

عندما غنّت فيروز على المسرح “لأوّل مرة ما منكون سوا” بعد وفاة عاصي الرّحباني بكت. ورأت أغنية “سألوني الناس” النور بنص غير الذي نعرفه اليوم إذ كان سيغنيها الفنان اللبناني مروان محفوظ، لكن منصور الرحباني قرّر لها مصيراً آخر بكلمات مختلفة عبّرت عن أسى فقدان شقيقه عاصي بعد الرحيل، واستعار فيها صوت ومشاعر فيروز. هذه الأغنية التي حظيت بمساهمة أكثر من جيل من الرحابنة، ورمزت لذلك المشعل الذي حمله عاصي ومنصور وسلّماه لشقيقهما الأصغر إلياس، “سألوني الناس” هي أول أغنية يلحنها زياد الرحباني لوالدته فيروز تُكرّم والده عاصي، الذي بعد رحيله، ظل حاضراً في قلوبهم لكن فراغ غيابه على المسرح أدمى القلوب.

تحوّلت أغنية “سألوني الناس” إلى ما يشبه النشيد للعشاق المفترقين وفيها تخليد لمشاعر حقيقية وصادقة اختصرت علاقة فيروز بزوجها عاصي الذي تدين له بالكثير على الصعيد الشخصي والفني، ومن جهة أخرى تعبّر عن وجدان منصور الجريح المتألّم بعدما وجد نفسه مواصلاً دون نصفه الثاني وتوءم روحه في الحياة وعلى الخشبة، ويظهر ذلك في جملة “لأول مرة ما منكون سوا”. عكست “سألوني الناس” وقتها حزن فيروز على زوجها عاصي لكنها كانت الشاهد على عبقرية ابنها زياد الذي لحنها ولم يكن تجاوز من العمر الخمس عشرة سنة، فنجحت نجاحاً هائلاً وهي إلى اليوم واحدة من أحبّ أغاني فيروز لجمهورها.

كل إنسان له شبيه روحي، وقد تُعجب الروح بروح إنسان آخر تحس بمشاعر لا تعرف لها تفسيراً ولا تجد لها أثراً، ولكن مع السيدة فيروز تبقى المشاعر معروفة فهي التي ترسم الابتسامة صباحاً وهي التي تداعب شغاف القلب بفرح.

يجلس “فايز قزق” على شرفته مع ابنته “ولاء عزام” في مسلسل “ناس من ورق” –إخراج وائل رمضان- والفتاة تربط قطعة قماش حول رأسها وتتأوه من شدة الوجع، فتقول لوالدها أريد دواء لوجع رأسي، يأتي جواب والدها بهدوئه المعتاد وصوته الحنون “اسمعي فيروز.. هي صيدلية كاملة بحد ذاتا، والوجع بعد صوتا بيروح كلياً”.

تابعت هذا العمل بالصدفة البحتة، ولم يكن في ظني أن أسمع أجمل من هذه الجملة، خاصة أننا اليوم نحتفل بذكرى ميلادك أيتها القديسة العظيمة، أنتِ يا من أرسل لكِ كل يومٍ “صباح الخير” وكأنني أعلن أني أبدأ نهاري معك كالعادة، وهيا أطلقي العنان لأغانيك لتدخل إلى قلبي وعقلي، وليس لتقول “أن الربيع صحا” وإنما لتعلن أن “نهاري بدأ”، فالنهار لا يمكن أن يبدأ دونها فهي كالهواء العليل المنعش للروح، وتماماً كما قال الفنان قزق هي كل الأدوية الموجودة على رفوف الصيدلية، لا تحتاج لكأس ماء لابتلاع حبة الدواء وإنما من يسمعها يستطيع البقاء عطشاً لعدة ساعات فهي تروي شرايين الجسم بصوتها الرائع وحنانها، فيروز القمرية الشفافة كالماء والضوء الخافت والبعيد، والكلمات التي أنشدتها من أشعار الأخوين رحباني في صحبة ألحانهما تظهر لنا صور أحلام اليقظة السعيدة والحزينة في مخيلة جعلت منها متحفاً للحنين إليها دائماً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة