الخاطرة الأدبية في ثوب قصيدة

الخاطرة الأدبية في ثوب قصيدة

“حين تغدو هذه السماء صحراء قاحلة، أو مغارة مخيفة، حين تعجز كل المرايا عن إعطائك وجهكَ، أو ما تبقى منه، حين تغدو غريبا حتى على الغرابة نفسها، كيف تستطيع بضع كلمات ممن تحبّ، أن ترفع السماء، وتمنعها من الإطباق عليك؟ نَسّقتُ بسماتك، ضحكاتك، صوتك، صورك، إبداعك، لتكون تراتيل لكل قلب يؤمن أن الحب هو المنقذ”.

ما سبق لا يمكن فصله باعتباره جزء من مقدمة كتّاب شعري؛ “كم أنتِ أنتِ”، لصاحبه “فواز خيو”، الصادر عن وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب 2018، عن المتن، الذي جاء كترجمة بأوجه مختلفة لتلك المقدمة، والتي تضع “الحب” كحل وحيد وأخير، للخروج من فرط القسوة التي نحياها، الشاعر يبدأ من ذاك الحب الأجمل، برمزيته وايحاءاته، كما جاء أيضا في المقدمة، التي أكرر وأُعيد، بكونها من نصوص الكتاب، حتى الشاعر سماها: “شبه مقدمة”، أي أنها من جنس نصوص الكتاب، ولكنه نص يبرر الإفراط في كل تلك العاطفة المفرودة، على ما يقارب ال 250 صفحة، وعموما واحدة من صفات الشعر المبالغة، لذا اقترح عليه، أن يَعدل عن تسميتها كما أوردنا، وليسمها ما يتماهى وروح الفكرة والكلمات التي عبرت عنها.

البساطة في المفردات والسلاسة في العلائق اللغوية، عفوية الصور الشعرية، الإيجاز الرشيق، والتوهج أو اللمعة التي تصدر من هذا النص أو ذاك، كلها تعمل على حمل الكلام للقارئ على بساط حاكته ألفة المقروء والقريب والواقعي، جماله في بساطة طرحه والتعبير عنه، يقول في “صباح الصباح”: (حين لا تفتتحين الصباح/يكون الصباح مزورا/ ومعرّضا للمحاكمة بتهمة انتحال صفة/ وحدي أعرف النسخة الأصلية للصباح/ إنها تحمل ظلال بسمتك/ ورجع ضحكتك/ وملامح تكشيراتك المشعة/ من لا يعرف بصمة عينيك/ كيف سيستمع بالصباح؟”، استخدام صاحب “سفر في الجنون”-1989- لبسيط الكلام، ذاك الذي يدور بين أي عاشقين، أو الذي يبدو كرسالة من عاشق أثقل الحب ليله الطويل، منتظرا أن ينفرج الصباح من “رجع ضحكتها وتكشيرتها اللامعة”، يُقدم ملامح لعموم هذا النوع من الكتابة الشعرية، والذي يبدو وكأنه نوع جديد فرضه الشكل التقني الأحدث لها، أو ما يمكن تسميته بـ “الكتابة الانفعالية المباشرة”، وهذا يُحسب للشاعر في خبرته العملانية بالكتابة والتقنية، فهو يُدرك أن جلّ القُراء هم الآن من جماعة “الصفحات الزرقاء”، أنواع منهم، بينهم من يحب بالتأكيد النصوص الأكثر اشتغالا على الفكرة، مضامينها، أبعادها، رؤاها، لكن الجزء الأعمّ، هو ذاك الملول سريعا من النصوص “الثقيلة”، وهذا ما وضعه الشاعر نصب عينيه، وهو يشتغل على نصوصه، إنه الآن عدا عن كونه في “فسحة شعرية يتأمل الزرقة” -كما يظن  من يعتقد أن هذا النوع من الكتابة الشعرية، بسيطا أو سهلا، وهو في الحقيقة ليس كذلك-، أمام مهمة أخرى لا تقل جسامة عن سابقتها، إنه يريد أن يجلب “قُراء” شاشات الأجهزة المحمولة والفسح البيضاء التي يوفرها “كتاب الأوجه”، إلى الكتاب، في ربط ذكي بين خطورة التقنية، واهمية نقلها رويدا رويدا، قبل الارتقاء بها، لا معاندتها في هذا الوقت، حيث هي المهيمنة، فحتى أهم “أهل القلم”، صارت تلك الوسيلة، سبيلهم للقُراء الذين أعرض معظمهم عن الكتاب؛ يقول في “تقاسم نفوذ”: (تتقاسمانني أنتِ والانتظار/ في غيابك كل شيء يتحول إلى مبضع/ وجهكِ/ اسمكِ/ حضوركِ/ غيابكِ/ حتى النسمة/ تتحول إلى مبضع، وأنا قطعة الجبن الهشة”، ولتقرأ ماذا يقول في “تأمين” أيضا: (حين يأتيني مبلغ عظيم من المال/ سوف أقوم بالتأمين على ضحكتك/ ما أروعني حين تضحكين)، هذا غزل يقوله الحبيب، كوعد يقطعه لحبيبته الجالسة قبالته، كلام أليف بسيط، لا يدّعي أنه يزاحم أفخم الشعر، وهو أساسا يكتب انفعالاته الوجدانية عموما في جلّ مواضيعه، التي تغلب عليها مشاعر الروح لروح تهيم بها، تهيم بكل ما فيها، وبما تعكسه تلك الروح التي يغازلها، في روحه وحبره.

231 نصا في ” كم أنتِ أنتِ”، مواضيع مبتكرة، جديدة، خفيفة على القارئ، وبسيطة أيضا، من مثل “رسائلها وحماقتي/ تأمين/ سترة واقية/ وجبة للعينين/ تنفس/ لوجه الله/ عاصفة ضوئية/ منسوبك في الدم/ لأبقى على قيدك/ شيك عاطفي/ أسوار في وجهك/ تنويه/ من دفتر الحضور/ هوية وحاجز”، وفي النص الأخير يقول: (الحاجز يأخذ هويتي/ ويعيدها كما هي مع قليل من العبوس/ المسلحون أخذوا هويتي وأعادوها كما هي/ مع كثير من الرعب/ أنتِ أخذتِ هويتي/ غيرتِ تاريخ الميلاد/ غيرتِ ملامح وجهي/ ومكان إقامتي/ اعدتني إلى نقطة التكوين/ كيف ستصدق الحواجز حين أمرّ عليها/ أن عمري عامان؟/ كيف سيقارنون بين وجهي وعمري؟/ لماذا تعرضينني للخطر”، القطعة المأخوذة من “هوية وحاجز”، تجمع بحس فكاهي لطيف، بين حالات، جمعها في نص واحد، يمنحه حس الفكاهة المحببة، “لماذا تُعرضينني للخطر”، الطفل الذي فيه، أو ذاك الطفل الذي ردته الحبيبة إليه، يجعل من المفارقة كوميدية نوعا ما على عاطفيتها، خصوصا أنها مرتبطة بزمن صعب مرّ على البلاد، وها هو “فواز خيو”، يجعل من تلك المرحلة، ببضع مفردات منها، تحضر في البال مقترنة بالضحك من الحالة التي صيرتّه عليها الحبيبة.

“كم أنتِ أنتِ”، مجموعة من النصوص اللطيفة، المتنوعة، الخفيفة على القارئ الملول كما هو سائد عموما، يوظف فيها “فواز خيو”، التقنية الإعلامية الأحدث، لتكون قريبة من وعي قارئ اليوم، ومن طبيعة هذا الوعي المأخوذ بالمختصر واللافت والجميل أيضا.

تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة