قراءة  في “آثام” سهيل الذيب فهل من جديد

قراءة  في “آثام” سهيل الذيب فهل من جديد

لا أشك لحظة في أن الرواية هي شكل من أشكال صناعة الغد، وربما المستقبل، وكثيرة هي الروايات التي كانت تمهيدا لأحداث كبرى تحققت، ورأت النور وكأن مبدعها كان على علم ودراية بصناعة التاريخ، وترتقي الرواية أحيانا لأن تغدو نبوءة ولاسيما إن امتلكت قراءة للواقع من كل جوانبه وكانت على مسافة واحدة من أطراف الصراع الذي سيظل يعتمل إلى أن يحقق غاياته الكبرى، أو يحسم على نحو صارم. “آثام” جديد الروائي سهيل الذيب بعد “زناة” وهي إصدار خاص بتقديم الأديب متعدد المواهب محمد الحفري، وشهادة من الأديب محمد الطاهر على غلاف الصفحة الأخيرة، في عملية تعريف وتسليط ضوء على هذا المنتج الإبداعي، الذي أرى أنه يمتلك وحده تقديم نفسه.

تنتمي هذه الرواية إلى أدب الحرب بقوة ووضوح كاملين، ليس فيها إلا الحرب، وعلى هوامش هذه الصفحات الموجعة من صفحاتها الدامية يقف الحب سيدا وآمرا ناهيا، ويكاد أن يكون هو الحقيقة المطلقة المحركة للإنسان مهما حاول أن يخفي ذلك أو يأتي بأسباب أخرى كالرغيف مثلا، وسبب وجيه وعامل فعال ومؤثر في حركة الفرد والجماعة وربما المجتمع الإنساني كله، وأزعم أن الروائي نجح نجاحا كبيرا في وضع الجنس رديفا للحب على خلاف ما ذهبت إليه الروايات الرومانسية التي شكلت معظم ثقافتنا نحن جيل ما بعد النكبة فنراه قد أكثر من المشاهد الحسية والمشاعر الجنسية وغلبها على سواها، وهي تكاد تتشابه وتتطابق مع ما حملته “زناة”. والحرب هنا هي وقائع في مختلف الجغرافيا السورية، وآثارها حتى في الجوار أي في تلك المخيمات والأديرة التي فتحت أبوابها للمهجرين، وليكمل مبعاث السوري بطل الرواية بحثه عن أسرته، عن أخويه وخلود، بعدما أفقدته الحرب أمه، ودفعته ظنونه وتعجله في الحكم على الأشياء دون تدقيق وتمحيص إلى الظن السيئ بأبيه ليكتشف بعد فوات الأوان براءة أبيه، ويعتبر نفسه قاتلا لذلك الأب الذي قضى آخر عمره بحثا عن هذا الابن الضال وربما عن أخويه اللذين لم يعرف عنهما شيئا حتى الصفحات الأخيرة من الرواية، وهما اللذان جندتهما الجماعات المسلحة في صفوفها عنوة فيمن جندت، وهنا أرى أن مبعاث هو نفسه بطل زناة، هناك كان الشك القاتل والجارح بالأم، وهنا بالأب، والبحث عن الأخت والعثور عليها في مصحة نفسية هنا، أما هناك ففي دائرة الجنون خارج المصحة، وكثير من الأحداث التي مرت معه في لبنان هي ذاتها التي لاقاها إبراهيم في لبنان، الفندق والمرأة التي تطلبه ليمارس معها الجنس والتهديد ومحاولة دفع المال له الخ.. والقمار.

تكاد الحرب تطبق على صدر الراوي وهو مبعاث وليت الكاتب لم يشوه هذا الاسم الجميل لبطل الرواية أو الشخصية المحورية، فمبعاث لم تقدم الكثير مما أراده من معنى مرادف لحياته أي الإخفاق في كل شيء، لكنه ضيق الخلق والنزق وربما الهروب من أجواء الحرب إلى الفكاهة، ومثل ذلك هذه العبارات التي تخدش الحياء العام، والتي يمكن الإشارة إليها بوضع الـ… وقد عمد إلى ذلك في بعض المواضع وأدت النقاط الغرض على نحو أفضل وأجمل وأتت في السياق الطبيعي للسرد.

“آثام” سهيل مدونة مهمة لوقائع كثيرة في الحرب من عدرا العمالية والتي أطلق عليها عدروس إلى كثير من المدن والقرى والعاصمة وشرقها وغربها، وفيها سعي واضح وحثيث لإدانة هذه الحرب التي غيرت الكثير حتى مبعاث كما نعت نفسه ص187(فاجر آثم  زان أنا وأمارس إثمي وزناي من دون أي تأنيب للضمير ولا من تلك الحكايات التي كانت تروى أمامي) يعيد كل ذلك إلى الحرب إذ رأى مجتمعا أظهر بغاء وفجورا الخ.. مبعاث هذا هو ذاته يعيب على المسيحية ما قرره السيد المسيح من عدم الطلاق وحصره في سبب واحد أو علة واحدة ويعتبر ذلك ظلما، وكأن فشل تجربة زوجية في هذا العصر يأذن بتغيير نص مقدس يحمل من الطهر ما يكفي أكثر من كون لما حمله من إنصاف للمرأة وعدم ربط الزواج بالكتاب الواجب أن تأخذه، وفيها انحياز واضح للدولة والمجتمع وتمنيات صادقة بالعودة إلى الأمان والاستقرار والعيش أخوة وأبناء وطن واحد عزيز الجانب موفور الكرامة والسيادة، مستقل الإرادة والقرار.

“آثام” وثيقة إدانة للإرهاب ولكل الذين انخرطوا بالمشروع التدميري لبلداننا العربية بخطاب أقرب إلى التعليقات السياسية برؤية لا تخفي انحيازها التام والكامل للوطن،  بحيث لم نر أو نسمع صوتا آخر في الرواية، أو موقفا يدل على وجود هذا الآخر أو سلوكه غير الحربي سوى مبعاث نفسه حيث يغدر بالحاضنة التي أحسنت إليه وإلى غيره، مع أنها أي إياس حداد أخته في أجيال سابقة، ولا أدري إن كان يقصد أخوة الجغرافيا أم أخوة الجسد، وذلك عبر علاقة محظورة مع إياس الحفيدة ليعود مطرودا مخرجا من الجنة التي دخلها ليؤكد ماورد في الكتاب المقدس عن خروج أدم من الجنة، مع أنه اعتبر ذلك الخروج أسطورة في نوبة شك على ما يبدو، وهذا ما سبب غياب الصراع في الرواية، وكأني بالروائي يريد أن يقول ما قاله سابقا في “زناة”، من أن الكل واحد متشابه وأن المطلوب عنده هو قتل كل الأحياء ليأتي أناس لم يتلوثوا بالحرب، وهو الذي ندد بمن أفتى بقتل ثلث الشعب في سورية؟.

رياض طبرة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة