من أجل “بيريسترويكا” أمريكية حقيقية

من أجل “بيريسترويكا” أمريكية حقيقية

 

ليس غريباً أن يتردد شعار من أجل “بيريسترويكا” أمريكية في السباق الطاحن والقاسي لانتخابات الرئاسة 2020، فإعادة بناء أمريكا تبدو اليوم أولوية كبرى للعديد من الأطراف الداخلية بعد الكوارث التي ألحقتها بها رئاسة “التويتر” و”التوتير”، وهي كوارث جزم مايكل بلومبرغ المرشّح للرئاسة أن بلاده لن تتعافى من أضرارها أبداً بسبب ترامب، الذي “يشكّل تهديداً وجودياً على البلد وقيمه”.
وإذا كان مسار الأمور الحالي، ولأسباب متشابكة ومتعددة، يؤكّد صحة كلام بلومبرغ بالمجمل، وإذا كانت الوقائع الظاهرية تقول إنه – وكلام وأفعال آخرين سواه وضمنها ما أصبح يطلق عليه “حركة مقاومة ترامب” – ينطلق من مصالح محلية محضة تتعلق بالتنافس الانتخابي الداخلي الشرس، إلّا أن حقيقة كون الانتخابات الأمريكية عالمية، بالاهتمام والتأثير والانعكاسات، فإن الوقائع الصلبة تقول بأن ما يجري اليوم في الداخل الأمريكي ينطلق أيضاً، وأولاً، من حسابات خارجية تتعلق بخطر ترامب على “المشروع الأمريكي” كما تراه “الدولة العميقة”، وبتعبير أصح المجمع العسكري الصناعي الحاكم الذي لا يوافق على سياسات ترامب، في التكتيك لا الاستراتيجيا، كما أصبح واضحاً للجميع.
بهذا المعنى لا يُستهدف ترامب، لأنه يشكّل “تهديداً وجودياً لقيم البلد” كما يقولون، بل لأنه يشكّل تهديداً وجودياً لمشروعها، فـفي حقيقة الأمر ليس ترامب، كغيره من الرؤساء السابقين، واللاحقين، إلّا تعبيراً دقيقاً عن قيم البلد الحقيقية كما تتجلّى، براغماتياً، في مراحل مختلفة، فهو في هذه المرحلة، من “عمرها الميمون”، لا يعدو كونه نتاجاً منطقياً لتصادم وهم “نهاية التاريخ” الذي ساد نخبة واشنطن السياسية والاقتصادية والفكرية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مع الوقائع الصلدة المعاكسة، وبالتالي هو، الآن، بشخصه وسياساته، تجسيد عارٍ وصريح للمخاطر والمصاعب التي تواجه وهمي “الحلم الأمريكي” الموجّه للداخل بالدرجة الأولى، و”السلام الأمريكي” الموجّه للخارج، والذي كان مجرد تغطية “شعاراتية” على الهدف الاستراتيجي المؤسس والمتمثّل بالسيطرة والهيمنة على العالم بأسره، وذلك ما يدل عليه أكثر من 130 تدخلاً عسكرياً مباشراً وآلافاً عدة من التدخلات غير المباشرة في الشؤون الداخلية لدول العالم عبر قاراته الست المعروفة.
بهذا المعنى لا تهتم “حركة مقاومة ترامب” بخطره على العالم، ولا تبالي كثيراً بأخلاقية ما يفعله هناك إلّا بمدى انعكاسات ذلك على المشروع الأمريكي، وتلك حالة طبيعية من وجهة نظر واقعية، ويمكن اختصاره بالقول: إن الشركة الكبرى التي تمثّلها أمريكا منزعجة من رئيس مجلس الإدارة الذي لا يحسن عمله في عالم تتالت فيه الأخبار السيئة للامبراطورية، وآخرها كان أمس، ففي خطوة من خطوات متتالية وخطرة على “المشروع” دشّن الرئيس الروسي ونظيره الصيني خط ضخ الغاز الروسي إلى الصين المسمى “قوة سيبيريا” وهو فعل، كاسمه، ذو دلالة لا تخفى على أحد.
في الداخل مازال ترامب يقاوم بضراوة، وطريق إجراءات العزل لا يبدو سالكاً حتى اليوم، لكن حجم أمريكا وموقعها وسيولة اللحظة التاريخية الانتقالية بين نظامين دوليين هي ما يدفع بالجميع للترقّب الحذر من تداعيات اللعبة الداخلية الأمريكية على العالم بأسره، والأهم على منطقتنا التي تبدو “أكثر قابلية للاشتعال من أية مرحلة سابقة” بحسب روبيرت مالي، فترامب الضعيف والمحاصر قد لا يكتفي بإدارة الحروب الداخلية الدائرة في أكثر من دولة في المنطقة كما يفعل الآن، وقد، ونؤكّد على “قد”، يفتعل، مع “نتنياهو” شريكه المأزوم أيضاً، حرباً، ولو محدودة – ومنطقتنا مكانها “الطبيعي” – للخروج من مأزقه الداخلي، وحينها سيكون من الصعب على أحد السيطرة على شياطين صندوق “باندورا” المفتوح.
بالمحصلة سواء كان الأمر مطاردة ساحرات، كما قال ترامب، أم إجراءات عزل قانونية، كما يقول خصومه، لا يريد من يروّج لـ”البيريسترويكا” إلّا إخراج ترامب من اللعبة، وليس تصحيح مسار الحمير “شعار الجمهوريين”، أو الفيلة “شعار الديمقراطيين”، فيما العالم يطمح لـ”بيريسترويكا” بنتائج سوفييتية، وتلك نتائج لن تتحقق إلّا عبر معركة طويلة ومريرة، كما كل معارك سقوط الامبراطوريات تاريخياً، وستدفع فيها، واشنطن وغيرها، أثماناً ضخمة للغاية.
أحمد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة