ثقافةصحيفة البعث

مأمون خطيب يفتح –بوابات-جديدة

 

عند الكلام عن مسرحية “البوابات”، -تأليف نسرين فندي-مأمون خطيب، إخراج الأخير، والتي تُعرض على خشبة مسرح القباني ضمن فعاليات يوم الثقافة، (الثقافة ذاكرة وطن) -إنتاج مديرية المسارح والموسيقى-، يجب البدء بتفصيل فني جانبي هو بدوره ضمن تفصيل أكبر، وهو: الإضاءة وعلاقتها بالسينوغرافيا وتأثيرات ذلك على تفاصيل العرض الأخرى.
الإضاءة جاءت من أفضل ما يكون، واقعية وتعتمد ثيمة أجواء استوديوهات التصوير، يعزز ذلك تفصيل بارع آخر، وهو الشخصية التي تحمل مظلة سوداء، فتتناغم مع الشخصيات الذين يجلسون على كراس حيادية التصميم، توحي بأنها للاستعمال المؤقت، تماما مثل علاقة الشخصيات بالمكان، ويقابلون الجمهور أثناء الأداء، بطريقة تشبه الجلوس أمام كاميرا التصوير الفوتوغرافي، في مونولوجات أقرب للاعتراف بمشاكل الشخصية، أي أن التناغم بين مختلف تفاصيل العرض، من السينوغرافيا إلى الأداء والميزانسين، نجح في تحقيق وحدة بصرية “ركحية” للعمل، وهذه من المرات النادرة في المسرح المحلي، التي يأتي فيها الديكور منسجما مع الملابس والإضاءة، مما أثر إيجابا في تقديم الشخصيات المرسومة بعناية.
الخطوة الإبداعية للأمام التي يقوم بها صُناع “البوابات” الآن، تتمثل في تقنية التعامل مع النص والممثل، لأنها تقنية واحدة، فالنص يُكتب ضمن تجريب الأداء، بطريقة تتيح لكل ممثل أن يُساهم في رسم شخصيته، ليس على الورق، ولكن وقوفا على الخشبة، بارتجالات جزئية، يتم اعتمادها وتثبيتها، أو تحدث محاولة لـ “ارتجالة” جديدة، قد تكون أفضل من سابقتها، وشيئا فشيئا، تتراكم “الارتجالات” الجيدة، بطريقة تشبه كتابة مشاهد جديدة، أو أوراق إضافية على النص، وتكون مهمة المؤلف في هذه الأثناء التزويد بملاحظات، واقتراح إضافات، وهذا يعني أن الكاتب يتعاون مع شخصياته، على كتابة القصة.
يمكن التأريخ لهذه الطريقة مع “الكوميديا ديلارتي”، ولكن ميزة عرض “البوابات” أنه يستعير تقنية من “الكوميديا ديلارتي”، لعرض غير كوميدي، ولهذا يمكن القول إن تجربة “التجريب” التي اعتمدها المخرج، كانت في غاية النجاح، فهي محمية بقوانين ومعايير الشكل. السينوغرافيا والأداء جاءا ضمن قوانين مدرسية صارمة، ولكن تأسيس الشخصيات والصعود في الحالة، ضمن حبكات، يساهم الممثل في التدخل فيها، أثناء اشتراكه مع “الكاتب”، بوضع النقاط الارشادية على طريق الارتجال، ما يجعل هذا “التجريب” مأمون العواقب
“سليمان رزق”، الخرّيج الذي يستهلّ حياته المهنية في هذا العرض، قدم أداء مبهرا يشي بموهبة واعدة، وتمكّن جيد من أداوته، قد يكون ذلك بسبب مساهمته في تأسيس وتطوير وتحقيق الشخصية التي يؤديها، وهو ما قام به أثناء الكتابة ارتجالا مع كاتبي العمل، ويبدو بحالة من التماهي التام بين الشخصية والممثل، أنه قام بصياغة كل ابعادها، ففي هذه التجربة المسرحية، التي يعتبرها (مفيدة جدا)، تمكّن من خلالها –حسب الممثل رزق- من صنع شخصية كاملة بالتدريج، مُعملاً تفكيره بالعرض ككل، خاصة أن تجربة العمل المسرحي كفريق متكامل، هي بالنسبة له تجربة (ممتعة جداً)
إذا كانت البساطة في الطرح، هي أساس الفن الجيد، فيجب الإشادة مرة ثانية بالسينوغرافيا، الألوان التي تظهر على الديكور والحقائب وملابس الممثلين، فريق المسرحية بالكامل يُظهر انسجاما ووعيا كبيرين، في طبيعة مهام كل منهم، والألوان تحقق انسجاما فيما بينها، مما يدفع الجمهور للتركيز أكثر على الشخصية التي يؤديها الممثل، وهذه نقلة جديدة تُحسب للمسرح السوري، فغالبا ما نرى سينوغرافيا تُعرقل العرض؛ في مسرحية “البوابات”، السينوغرافيا تساعد الأداء، وذلك بابتعادها نهائيا، عن الطريق بين المتلقي والممثل.
الأبعاد البصرية للصندوق الإيطالي، تنجح في حذف مبدأ الصندوق نفسه، وذلك في اقصاء أي أهمية لـ “الجدران الثلاثة”، أو للمربع المفتوح على الجمهور، وهذا يحقق توحيدا للجمهور مع الخشبة، من خلال تركيز الجمهور على أساس فن المسرح، وهو “الأداء”.
المسرح يستعير من فنون أخرى عديدة، من “العمارة” كوننا في “مكان” ما، وهناك أشكال وأجسام تتراوح بين العمارة و”النحت”، وقد نرى “لوحة” على الجدار، نسمع “موسيقى” أو اغنية، وقد “ترقص” إحدى الشخصيات أو تتابع فن “الإيماء”، لكن الفن الأول الجوهري داخل تشكيلة تلك الفنون التي تظهر على الخشبة، هو ببساطة “الأداء”، وهذا ما يجعل “البوابات”، مفرطة في مسرحتها، لعملية تحويل المفهوم “الركحي” إلى “ميزانسين”، مع مراعاة نقص الحركة في بعض الذروات التي يقدمها الممثلون جلوسا، عندها تظهر سينوغرافيا جديدة، مُغرقة في ما بعد حداثويتها، فالاقتراب إلى جهة الجمهور، والوقوف لشخصيات متجاورة، مع تلك الجالسة على الكراسي، يستحضر تقنيات سينوغرافيا “البانتوميم”، والتي تأخذ في الاعتبار أن جسد وحركة الممثل، قد تنجح في تشكيل سينوغرافيا بديلة، وهذا يعني أننا كنا أمام سينوغرافيا “متناوبة”، تكون واقعية ثم تتحول إلى أرضية لسينوغرافيا “البانتوميم”، في تناغم جيد مع تطور الحكاية، مما ساعد في إضفاء “إيقاع” لأداء الشخصيات، الأمر الذي جنب العمل ورطة كانت تتهدده، وهي غياب البناء الحكائي، عن علاقة الشخصيات بعضها ببعض
تمّام علي بركات