سرّي للغاية

 

د. نضال الصالح

يكفي أن يكتب أحد عبارة “التاريخ السرّي” على موقع البحث العالمي “غوغول”، حتى يعثر على مئات المؤلّفات التي تتصدّر الكلمتان السابقتان علامتها اللغوية المركزية، أي عناوينها، من مثل: “التاريخ السرّي للعلاقات العربية الإسرائيلية”، و”التاريخ السرّي لجماعة الأخوان المسلمين”، و”التاريخ السرّي لسلاطين بني عثمان”، و”التاريخ السرّي للأحزاب السياسية العربية”، وغير ذلك.
في “تاج العروس” أنّ “السِّرُّ، بالكسر: ما يُكْتَمُ في النَّفْسِ من الحَدِيث”، وفيه وفي غيره من معاجم اللغة أنّ من معانيه: “وسط الشيء وجوفه”، و”بطن الوادي”، و”الأصل”. وفي أدبيات العرب الكثير من الأمثال والأشعار والحكايات التي تعني هذه الصفة، أي القول أو الفعل الذي لا يتجاوز صاحبه إلى أكثر من واحد، ومن ذلك ما جاء في كتاب “الأمثال” لابن سلام من قولهم: “سرّك من دمك”، لأنّك إنْ أفشيته فقد يكون سبب حتفك، ثمّ ما خصّ به الجاحظ هذه الصفة في كتابه “الرسائل الأدبية” من التفصيل باسم “رسالة كتمان السرّ وحفظ اللسان”، وعدّه ذلك طبعاً في الإنسان يحمله عليه الهوى وضعف العقل، وأنّه، بتعبيره، يمت بصلة إلى الغيبة، وأنّ إفشاءه رذيلة خلقية كريهة، وإنّه من بعض صفات الخصيّ، ومن قوله في كتابه “الرسائل السياسية”: “والصّبر ضروب، فأكرمها كلها الصّبر على إفشاء السر”.
وعلى القياس، أي فيما يُقال إنّ للضرورة أحكاماً، يمكن أن يُقال إنّ لكلّ دولة أسراراً، ولذلك تتعدّد صيغ مراسلاتها فيما بين مؤسساتها، ومن تلك الصيغ: سرّي، وسرّي للغاية، وسرّي جداً. ولكن ما ليس على القياس أن يكون لفرد سرّه أو أسراره التي يحرص على كتمانها عن الآخر أو الآخرين، خشية من افتضاح حقيقته في ارتكاب الخطايا والآثام، ومن ذلك سرقة المال العام بغير وسيلة أو علامة لغوية واصفة لفعل السرقة، من مثل إكرامية، أو تعويض انتقال، أو اختزال وطن في مهمة خارجية، أو سوى ذلك ممّا يعني الإمعان في النهب والنهش والقضم والقرض من لحم الدولة.
في “البيان والتبيين” أنّه “قيل لمحمد بن عمران: ما المروءة؟ قال: أن لا تعمل في السرّ شيئاً تستحي منه في العلانية”، وفي “عيون الأخبار” لابن قتيبة أنّ لشاعر قوله: “فسرّي كإعلاني وتلك خليقتي/ وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا”.
المروءة ابنة الحياء، ومَن لا حياء له لا مروءة له، ومَن لا مروءة له لا حياء له، وأكثر القرائن دلالة على غياب المروءة، ومن ثم وبالضرورة غياب الحياء، الإقدام على فعل في السرّ يُستحيا منه في العلن، ولذلك قيل: “جَماع الخير كلّه الحياء”، كما قيل: “إن لم تستح، فاصنع ما شئت”، ولعلّ من أبدع ما جاء في أدبيات العرب قولهم: “مَن رقّ علمُه رقّ وجهه”، أي أنّه لا يستحيي من شيء في السرّ وفي العلن. أجل، مَن رقّ علمُه رقّ وجهه، فالعلماء وحدهم يستحيون، ولا يفعلون في السرّ ما يخشون منه في العلن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *