الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

نوافذ 58

عبد الكريم النّاعم
مصادفة التقوا في حديقة صغيرة لم تُخرّب بعد، وبقي منها مايمكن أن يُسمّى حديقة، وكانوا من جيل تؤذن شمسه بالغياب، قال الأوّل: “نحن نعاني من مشكلة مركّبة، فلا نحن حافظنا على الوضيء الإنساني من تراثنا، ولا نحن استطعنا إنجاز النّموذج الذي يعبّر عنّا، ويقودنا إلى المُبتغى”.
قال الثاني: “كيف تستطيع أنْ تفعل ذلك، وثمّة مَن وضع يده على تراثك باسم المذهب، والطائفة، وقدّم لك مايخدم مشروعه السياسي، الملتبس بدعاوى عقائديّة، وأنت، في الغالب مقيَّد، فلا المتطرّفون يقبلون بك، ولا المستفيدون من مواقعهم، بعد أن تحوّلت معظم المواقع إلى مواقع انتفاع وتنفيع، المستفيدون لايريدون أن يرى لك ظلاًّ يتحرّك”.
قال الثالث وفي وجهه غمامة من أسى صارم: “وسط هذه الألغام كلّها عليك أن تشقّ طريقك، إذا أردت البقاء أنت وقيمك الإنسانية في الديمقراطية والعدالة، وليس ثمّة خيار آخر، إلاّ أن يكون خيار الانتحار، وهذا لا يختاره العقلاء والأسوياء.
****
جلس شاب يُقدَّر عمره في العشرين، قريباً من شيخ يُراقب شمس المغيب، ولم يطُل الوقت فقد جاء شاب قريب من عمره، وفور جلوسه سأله: “هل صحيح أنّك تسعى للخروج من سوريّة، وأنّك جادّ في ذلك”؟! قال الشاب الأوّل: “ماسمعتَه صحيح، وأهلي غير موافقين، ولكنّني لن أرد على أحد ، يا رجل ألا تعرف فلاناً”؟ قال: “كيف لا أعرفه”، فتابع: “أرسل لي صورة له مع صبيّة شقراء تطيّر ضبنات العقل، وهو كما تعرف أزرق على كحلي، أخي هناك تستطيع أن تعيش على هواك ما لم تُخالف قوانين بلادهم، تشرب، تسكر، تسهر، كلّ يومين مع واحدة، ولا أحد يسأل عن أحد هناك”، كان الشيخ يسمع الحوار دون تقصّد، فنهض من مكانه واقترب منهما، وقال: “يا أولادي هل تسمحان لي بالجلوس معكما قليلا”؟، أجاب الشاب الثاني ناهضا: “تفضّل ياعمّ”، فور جلوسه قال: “عن غير قصد وصلني كلامكما، وأريد أن أقول لابن أخي المبهور بالغرب، قد يكون في الغرب كلّ ما ذكرت، ولكنْ بعد أن تروي عطش كبتك الشرقيّ سوف تجد ما كان يسحرك عاديّاً، وربّما أقلّ من عاديّ، هنا حين تمرض تجد أقرباءك وأصدقاءك يتفقّدونك، ويزورنك، ويؤنسون وحدتك، أتعرف ما الذي سيرافقك هناك طوال العمر؟! سوف تظلّ مُلاحَقا طوال ثمان ساعات يوميّا، لا يُسمح لك فيها بالتوقّف لحظة واحدة، فأنت جزء من آلة الإنتاج، وتلك كلّ قيمتك عند صاحب العمل، هذا إنّ كنتَ محظوظاً ووجدتَ عملا، وإلا فسوف تعيش على معونات قليلة ما تكاد تسدّ الرّمق، اسمع يا ابن أخي، ثمّة في مجتمعاتنا من القيم، والعلاقات، والروح الإنسانية ما لا يُقدَّر بثمن، إنْ أحسنّا استخدامها، وسوف تُدرك ذلك فيما بعد، مدّ الله في عمريكما”، فانتفض الشاب الأوّل بغضب مكبوت: “هل تعجبك الحياة في هذه البلاد؟!! لا شغل، لا أمل، والخراب يحيط بنا من كلّ اتّجاه، وقلّة قليلة تضع يدها على كلّ شيء حتى كأنّها القضاء والقدر”؟!
قال الشيخ: “الذي يُعجبك في بلاد الغرب من سيادة للقانون، ومن إقامة أنظمة ارتضوها تناسب تركيباتهم الاجتماعيّة،.. هذا لم يهبط عليهم من السماء، لقد جاء تتويجا لنضالات شاقّة، اقرأ تاريخ أوروبا في العصور الوسطى وسوف تُدهشك التفاصيل، لقد أقاموها بنضالاتهم ضدّ أشكال الطغيان، والأثرة، ووطنك هنا، فاعمل داخل وطنك على تبييض السواد الذي يريد له البعض أن يعمّ، قد لا تستطيع إلاّ تبييض ما يُعادل رأس دبّوس صغير، ولكنْ بتجاور النقاط البيضاء يتحوّل البياض إلى تدفّقات نهار، أنتما في عزّ شبابكما، وأنا في مرحلة الغروب، ولكننا في نقطة واحدة من حيث انتمائنا لها البلد، الذي نعمل من أجل أن يَعِد بالكثير الكثير.

aaalnaem@gmail.com