“مصطفى الخاني”: الممثل النوعي

 

كثيرة هي الأحاديث التي يُثيرها، موضوع التصنيف الدرامي الجماهيري أولا، كوضع الفنان في خانة “الفنان الكوميدي” مثلا، أو غيره من التصنيفات الدرامية للشخصيات التي قدمها ذاك الفنان أو غيره، وبرع في تقديمها، كما لم يفعل أحد قبله، وستكون عقبة بالتأكيد لمن سيقدمها بعده، فما سيقدمه سيكون ومنذ اللحظة الأولى، محطّ منافسة ليست بالهينة أبدا، مع النسخة الأصلية الوحيدة، كما يحدث مع معظم من يقلدون “غوار”، أو “مستر بن”، نسخ مكررة لا أكثر، وواحد من تلك الأحاديث، هو تعاطي معظم الفنانين، مع هذا التصنيف الجماهيري، بنوع من عدم الرضا والقبول، معتبرين أن وضعهم في هذه الخانة أو غيرها، سببه الجمهور، الذي أحبهم فيها، ولم يجدهم بالمستوى ذاته في غيرها، رغم أنهم جميعا ودون استثناء يعترفون في العملية الفنية عموما، بكون الجمهور هو البوصلة والحكم، وله يقدمون ما يقدمون.
يمكن أن نستعير من “محمود درويش” ما يصف هذا الحال بقوله: “إن التشابه للرمال وأنت للأزرق”، وذلك في وصفنا لحالة فنان سوري نوعي، من الذين يعرفون كيف يجعلون الجمهور يحبهم وينتظر ظهورهم، فنان مختلف بما للكلمة من معنى، سوف يجعل من أي دور يقدمه، علامة فارقة في مسيرته المهنية؛ “مصطفى الخاني”، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية 2001، لن يكون التصنيف عقبة في وجهه، فهو متمكن من أدواته الفنية، وعارف خبير كما ظهر، بمواضع الجذب التي يحبها الجمهور ويبحث عنها، بين الكثير من التشابه الذي يراه على الشاشة بين الفنانين، إلا ما ندر طبعا، وشأن كهذا لن يفوت الشاب الخارج إلى منافسة لا رحمة فيها في مجال الدراما التلفزيونية.
قبل تخرجه بعام، كان لمصطفى، أن واجه الجمهور عبر الشاشة للمرة الثانية في مسلسل “الزير سالم” –عرض أول مرة عام 2000-، بعد أن شارك قبلها بعام “1999” في مسلسل “الفوارس”، ما يعني أن الممثل الذي كانه أثناء دراسته للمهنة، لفت انتباه أهم الأسماء الإخراجية في الدراما المحلية حينها، وهو لم يتخرج بعد، وما رآه أولئك المخرجون من صنيعه على خشبة المسرح، كان يكفيهم ليختاروه لأصعب الأدوار التي تصدى لها، وها هو الجمهور، لا يستطيع ذهنيا أن يجد بديلا عنه يقدم شخصية “جحدر”، فالشخصية ورغم حجم ظهورها الصغير نسبيا، إلا أن “الخاني”، عرف بحنكة كيف يقدمها، بما لا يستطيع إليه فنان آخر، وهذا بالضبط ما يميز ممثلا عن غيره، رؤيته للشخصية، ومقاربته الفنية والفكرية لها والفلسفية أيضا أثناء اشتغاله عليها، ولن نجافي الحقيقة في قولنا، لو أن أيا غيره من الممثلين، قدم شخصية “جحدر”، فإن المقارنة لن تكون في صالحه، حينها أدرك النقاد والجمهور، أن فنانا خاصا واستثنائيا، سوف يلتحق بالدراما المحلية بقوة، محققا سمعة فنية ومهنية خاصة به، دون أن يتكئ إلا على ما يشتغل عليه في رؤيته لما يقدم، الشأن الذي سوف تثبت الأيام صوابيته، فها هو يقدم شخصية “توفيق” في “ما ملكت أيمانكم”، في جرأة تُحسب له، واحدة من أهم الشخصيات التي قدمها حتى اليوم، وما كان تفوقا وإبداعا تمثيليا بالأمس يُعزى للصدفة، ها هو “الخاني” يثبت وبجدارة، أنه الفنان “النوعي”، بمختلف ما قدمه من اعمال درامية، حاز بها اهتمام الجمهور، بل وشغله حتى أصبحت شخصية “النمس” التي قدمها في “باب الحارة”، واحدة من الشخصيات الراسية في وجدان الجمهور المحلي والعربي، للدرجة التي صارت فيها مفردات هذه الشخصية -التي جاءته على الورق، بكونها شخصية شريرة- يرويها الصغير قبل الكبير، بل إنه عبارة بسيطة قالها ورددها في العمل المذكور، “هلا والله وحيا الله إي والله”، ستصبح بصوته، من “الرنات” الشائعة للجوالات المحمولة، أيضا محليا وعربيا؛ وهنا كانت براعته، بأن جعل الشخصية الشريرة، تُمثل أيضا دورا كوميديا بارعا في العمل نفسه، وهذه تقنية خطيرة في فن التمثيل، وقلة من يتقنونها، لأن من يتقنها يصبح مميزا بها، ويصبح عمله الفني خارج ملعبها، غير ذي شأن، مقارنة بها، وربما نستطيع القول، إن شخصية “النمس”، التي حققت فعليا الجماهيرية الكبيرة لمقدمها، كان لها ضريبتها الثقيلة، فلن يكون من السهل عليه، أن يتجاوزها، إلا بشخصية جديدة ومبتكرة ومكتوبة بشكل حرفي، يعطيها حقها من اشتغاله عليها والتحضير لها، ما يضع “النمس” على رف الذاكرة، دون أن يُنسى، وهذا عموما قدر كل علامة فارقة في فن التمثيل، ظهرت في قلة من الفنانين في العالم، ومنهم محليا “دريد لحام”، عربيا “عادل أمام” وعالميا “شارلي شابلن”.
بالتأكيد المسيرة الفنية المأمولة من فنان لديه ما لديه من إمكانيات محترفة في فن الأداء، لن يكون من السهل على “مصطفى الخاني”، التعامل معها، كما يتعامل عموم الممثلين معها، فهو لن يكون بمقدوره أن يقدم شخصية بارعة وفارقة، في عمل ضعيف على الورق، لذا فالخيارات التي أمامه، ليست منفرجة كما لغيره، وما هو مُنتظر منه بالنسبة للجمهور، يحتاج لجهد شاق منه، في البحث والاشتغال والتطوير، وهو بما قدمه خلال مسيرته الفنية والمهنية، قادر على تحقيق هذا.
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *