حالي.. حالي.. حال!؟

 

د. نهلة عيسى

الفواكه والخضار، واللحمة والسمنة، والزيت والأرز، والبرغل والبهار، والملابس، والدواء مهرجان، والأسعار نار النار، وجيوبنا أشبه بمدينة غزاها التتار، وكلنا نتفرج على كلنا، وفي داخل كل واحد منا نفس الأسئلة: كيف يدبر الآخرون عيشهم، كيف يجتازون الشهر بأمان؟ ماذا يأكلون، ماذا يشربون؟ أين يذهبون؟ ومن ومتى وكم ولماذا، يقفون على رأس اللسان بانتظار دورهم في السؤال، والإجابات محال المحال، وأشبه بالأحجية، حيث السؤال يقود إلى سؤال، ولا إجابة على كل الأسئلة، سوى أنه هذا هو الحال، وهذه سورية!؟
سورية، حيث لا شيء بخير، وكل شيء بخير، وحيث صباح الخير قد تعني الخير، وقد تعني شراً مستطيراً، وحيث أنت مدان لأنك لا تطبق القانون، وأنت مدان لأنك تطبق القانون، وأنت سعيد لأنه لا مشكلة جديدة، وأنت سئم لأنه لا جديد، وأنت غبي لأنك صادق، وصادق لأنك غبي، وحزين لأنك تحب، وتكره أنك تحب، وتدرس مضطراً، وتتخرج على مهلك، لأن لا شيء في الانتظار، والجميع في انتظار، يتذمرون، ويتنافسون على أينا أتعس، وأكثر شقاءً، ثم إذا تجرأ قريب أو غريب على القول في وجوهنا، ما أغربكم، صرخنا جميعاً في وجهه، نحن أحسن ناس في الكون!؟
سورية، حيث خطابنا العام، واجتماعاتنا، وأقاويل الصحف، وبرامج التلفاز، وزوار المطار، ورسائل التأييد ورسائل التهديد، والجالسين على المقاهي يتنابذون بالكلمات والأراجيل والجوالات، يؤكدون أننا بخير، وخبرة العيش اليومي تشير إلى أن كل الخير، أننا ما زلنا قادرين على الظن والقول أو ربما الادعاء أننا بخير، وأننا ونحن نحني تحت وطأة العجز، وركبنا قيد الكسر، مصرون على التأكيد أننا لن نقع، والجميل.. أننا فعلاً لا نقع!!.
سورية، والحصار تلو الحصار، في الداخل حصار، والمحيط حصار، ومحيط المحيط حصار، واللهب يتصاعد في بيوتنا وبيوت الجار والصديق والحليف، والقرار بأيدي أصحاب القرار من خارج الدار، يعلنون ساعة موتنا على “توتير”، ثم يطلبون صداقتنا، وفتح صفحات جديدة للعلاقات المريرة، ويستغربون أننا نرفض الصداقة، ويتهموننا أننا شعوب غبية لا تحب اللعب الجميل! والصحيح أننا سادة من يتابعون الكرة، ونتخاصم على الفرق، لكن المشكلة أن لعب الآخرين على أرضنا وقح، والجوع وقح، والعوز وقح، والحصار وقح، وفي سورية نرد على الوقاحة برفض الصداقة. سورية، حيث نحارب يومنا “بالتطنيش”، أو ما يسمى بلغة الجوالات “وضع الطيران”، أي أن تكون موجوداً وغير موجود في نفس الوقت، أو على رأي العظيمة فيروز “هون ومش هون”، خاصة أن معظم تفاصيل حياتنا، تجعلنا قريبي الشبه إلى حد كبير بالتليفون الجوال، حيث ترابط علاقاتنا، أحلامنا، احتياجاتنا، أساسيات العيش، التفكير بالآن، التفكير بالغد، وحتى التفكير بالأمس على وضع “الطيران”، والتزام الصبر.. الصمت أشبه بالموت، والوطن في البال مثل نقطة تحت علامة تعجب، يليها استفهام، وبعده انكسار، يحسد الجوال أنه آلة، لأن خير الإجابات في بلادنا، أن تضع نفسك على “وضع الطيران”، وأن تشتري ذمة اللامبالاة لتجعل من كتفها متكئاً!!.
سورية، حيث نستيقظ كل يوم، لنغادر سؤال الرغيف إلى الشوارع سعياً وراء الرغيف، فننساه في خضم الأسئلة “المتقافزة” أمام العيون: ما خطب الشوارع والجدران، لماذا هي حزينة؟ ولماذا وجوه الناس بائسة لا مبالية، كرغيف الشعير؟ ثم نتذكر أن وجهنا واحد من أرغفة الشعير، فنتوقف عن السؤال، ربما لأننا نخشى وربما نخجل، أو ربما نخاف من أن يجيبنا أحد: أننا نموت بالتقسيط، وأن مامات من أجله الشهداء، يضيعه السفهاء، وأيضاً صمتنا على السفهاء، والصمت موت، والمحتضر لا يملك إجابة عن الحياة أثناء احتضاره، ولذلك ليس من إجابات، ولكن من يقنع القلب، أن هذه البلاد رغم كل الدمار، ستبقى أجمل بلاد الدنيا، من يقنع القلب!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *