الواسطة وشرّها في الدراما

الواسطة وشرّها في الدراما

 

جواب ذكي ورأي خطير، ردّ وأدلى به الفنان الكبير “أحمد زكي” -1949-2005-على واحد من الأسئلة المحرجة والحرجة، التي طرحتها عليه الإعلامية المصرية الراحلة “فريال صالح” وذلك في برنامج “حق الجماهير”، عندما سألته لماذا لا يقوم باعتباره من أهم نجوم الدراما في مصر، بالسعي ليشتغل معه في أفلامه أحد أقربائه، أسوة بما يفعله الفنان “عادل إمام”، عندما يطلب أن يكون صهره –زوج أخته- الفنان الراحل “مصطفى متولي”، متواجداً في معظم أعماله الدرامية.
“زكي” استطاع ببراعة أن يجيب على السؤال، دون أن يتسبب له ذلك بأي إحراج مع “إمام”، وأيضا وبنفس الجواب، مرر رسالة تحذيرية شديدة في هذا الشأن، فكان جوابه بأن الفنان “متولي” هو أولاً فنان له اسمه في الوسط الفني المصري، وهو أيضاً خريج دفعته من المعهد العالي للفنون المسرحية، أي أنه فنان أكاديمي، ومن الطبيعي أن يكون موجوداً على الساحة الفنية، وفي هذا الشق تلافى حدوث أي إشكال أو حساسية مع “الزعيم”، وفي الشق الثاني من الجواب، قال بأن “الواسطة” في مهنة التمثيل هي عمل هدّام، وهي من أخطر “الآفات”، التي تسبب الضعف في هذه المهنة الإبداعية في المقام الأول، وهي –أي الواسطة- سوف تؤدي إلى الفشل حتماً، ليس في عمل درامي بعينه، بل أن أثرها التخريبي، سوف يصيب جسد هذا الفن بمقتل، وهو ليس مستعداً أبداً أن يكون له أي يدّ في ذلك، وما يفعله الآخرون، لا يعنيه. وفعلاً رحل أحمد زكي عن الدنيا، ومسيرته الفنية تُعتبر من أهم ما قدمته الدراما المصرية في تاريخها العريق، وفي مختلف أنواعها، إلا أن تأكيده المُلح في ذلك اللقاء، على ما تفعله “الواسطة” من تخريب وهدم، فعله كفعل الحت والتعرية، في مجال الفن بالتحديد، يجعلنا نضرب بدورنا ناقوس الخطر مجدداً في هذا الشأن، وما آلت إليه الدراما المصرية لهذا السبب وغيره، يثبت صوابية هذا الرأي، بل هذه البديهة، فالجمهور ليس مغفلاً، ومن يتعامل معه على هذا الأساس في هذا الفن الجماهيري أولاً وأخيراً، هو الخاسر، لأن الكاميرا التي تُعتبر عين الجمهور، تنقل بحساسية لا شك فيها، موهبة ذلك الفنان أو تلك الفنانة من عدمها!
اليوم ومنذ سنين غير قليلة، نرى ونشاهد ما نشاهده، من حضور للعديد من “الفنانين” و”الفنانات”، عديمي الموهبة، في درامانا المحلية، خصوصاً أولئك الذين قفزوا عليها بالواسطة وبالعلاقات “العامة” المشبوهة، ندرك جسامة الشأن الذي حذر منه “زكي” في اللقاء الأنف الذكر، وهو أمر قام العديد من النقاد والمتابعين له عن كسب، بالتحذير منه مرات ومرات عديدة، ليقينهم بمنعكساته السلبية على هذا الفن، وعلى المشتغلين فيه، وما علينا إلا أن نلقي نظرة على خريجي الأكاديمية السورية للفنون، الذين لا يجدون عملاً في المهنة التي درسوها، وكرسوا حياتهم لها، لأن هناك من جاء من خارج كل هذا الوسط، ليأخذ مكانهم بالأساليب التي باتت معروفة للقاصي والداني، حتى ندرك أن هذا الخراب، أتى أوكله، وها هي الدراما المحلية بمعاناة لا تنتهي، هي والعديد من الممثلين المحترفين، الذين لا يتسنى لهم العمل فيها، رغم دراستهم لها، فيما يرتع أصحاب “الواسطات” يعيثون فيها فساداً، والأمر لا ينسحب على التمثيل فقط، بل على النص والإخراج وغيره و”غيراتو”، من “البلاوي” التي هي من أكبر أسباب التدهور الدرامي الحاصل عندنا.
فيا أيها الساقي إليك المشتكى.
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة