بحسابات الورقة والقلم؟! تربية الثروة الحيوانية في السويداء.. مزارع على أبواب الإفلاس وعجز في التدخل الإيجابي

مربو الثروة الحيوانية في السويداء يلجؤون لتصفية مزارعهم، والفلاح يستغني عن تربية مواشيه بسبب الخسائر الفادحة، وتكالب ضغوط ارتفاع أسعار الأعلاف، ورخص سعر تسليم منتجاتهم من الألبان واللحوم للتجار، هذا باختصار حالهم اليوم، في وقت يشكو فيه المستهلك من ارتفاع المنتجات، سواء الألبان والأجبان، أو اللحوم والبيض، ويبقى غلاء الأعلاف حجر الأساس لاضطراب معادلة المربي والمستهلك، خاصة أن الوسطاء أكلوا “بيضة التربية وتقشيرتها” كما يقال، ويبقى السؤال هنا: أين مؤسسة الأعلاف من التدخل الإيجابي؟ وأين مليارات الليرات التي تقول إنها قدمتها لدعم المادة العلفية؟ وما هي أسباب عزوف المربين عن استخدام المقنن العلفي؟.

بالأرقام
يؤكد محمد، صاحب مزرعة، أن المشكلة لا تقتصر فقط على ارتفاع أسعار العلف، وتدني أسعار بيع المنتج من اللبن واللحم، لأن تربية الماشية عبارة عن تجارة في السويداء بحسب تعبيره، وهى معرّضة للأوبئة والأمراض التي تؤدي إلى نفوقها بعد تسمينها، وبذل الجهد في رعايتها والصرف عليها، وتحمّل تكاليف الأدوية البيطرية، لافتاً إلى أن الأدوية المحلية غير مجدية في علاج أمراض الماشية، خصوصاً الحمى، وفشل الهضم عند المواشي، الأمر الذي يضطرهم للجوء للأدوية المستوردة عالية التكلفة.
وبحساب الورقة والقلم يبيّن سند، صاحب مزرعة، أن سعر كيس العلف وصل إلى 11700، وهو بارتفاع يومي، حيث يباع كيلوغرام الحليب بـ 220 ليرة إلى الوسطاء، ويحتاج رأس البقر يومياً إلى 15 كيلوغرام علف 234 ليرة وسطياً، تنتج 20 كيلوغرام حليب، إذ يحتاج رأس البقر يومياً إلى 3510 أعلاف، تضاف إليها نفقات أخرى كالتبن، والمياه، والرعاية الصحية، وبالتالي النفقات تعادل المداخيل، بالإضافة إلى حالات النفوق التي تصيب الأبقار، مشيراً إلى أن رأس البقر وصل سعره إلى 3 ملايين ليرة، فأية حالة نفوق لا يستطيع المربي تعويضها، وهناك الكثير من المزارع والمربين سيتركون عمليات التربية، وبيّن أن عدم إقبال المربين على شراء أعلاف المؤسسة سببه عدم جودتها، والمشاكل التي تسببها، مطالباً بضرورة وضع حلول لارتفاع الأسعار، ودعم المربين لاستمرارهم في عمليات التربية.

قواسم مشتركة
طبعاً واقع مربي الدواجن ليس أفضل حالاً من مربي الأبقار، فالمعادلة ذاتها، والمعاناة نفسها، والقاسم المشترك بينهما هو الأعلاف، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، يقول الدكتور نبيل الشعار، صاحب منشأة لتربية الدواجن: إن تكلفة كيلوغرام الفروج تزيد عن 1200 ليرة يباع من أرض المدجنة بألف ليرة، ويشكّل العلف 70% من قيمة تكاليف الإنتاج، وهناك 6% أدوية وكلها مواد مستوردة، وتخضع لعملية القطع، فمثلاً الصويا قبل ستة أشهر كان سعرها 220 ليرة، بينما اليوم تصل إلى 560 ليرة، والذرة 110 ليرات، بينما اليوم 260 ليرة وليست موجودة بسبب عزوف التجار عن الاستيراد لعدم توفر القطع الذي يزداد الطلب عليه من قبل المستوردين، وهذا يساهم برفع سعره في السوق السوداء، وبالتالي ينعكس سلباً على الأسعار.
والمشكلة الأهم التي أشار إليها الشعار هي خروج نحو 70% من المربين عن التربية، وهذا سينعكس على هذا القطاع، وسيكون هناك احتكار في السوق، علماً أن 17% من سكان سورية يعملون فيه كما قال، ولبقاء هذا القطاع مستمراً بالإنتاج لابد من دعم الأعلاف ومستلزمات الإنتاج عبر تخفيض الضرائب، والتدخل في عمليات الاستيراد وتأمينها، ودعم المربين عبر صندوق ينشأ لهذه الغاية.

ناقوس الخطر
نقابة الأطباء البيطريين في السويداء دقت ناقوس الخطر، وحذرت من خروج معظم المربين إذا استمر الواقع على حاله، وستكون الأسواق في قبضة الحيتان، رغم حالة التقصير التي يشكو منها المربون، ومن قلة الندوات الإرشادية في كافة مناطق المحافظة، بالإضافة إلى وسائل مساعدة للتوعية بالموضوعات المهمة المؤثرة على صحة المواطنين، والثروة الحيوانية، بما ينعكس إيجاباً على تلك الثروة.
رئيس نقابة الأطباء البيطريين في السويداء الدكتور وائل بكري بيّن أنه إذا استمر المربي بالخسارة في تربية الأبقار فإن الثروة الحيوانية مهددة، والكثير من المربين سوف يخرجون، وسيبقى من يتحكم بالأسواق، وبيّن بكري أن الوسطاء يأكلون “بيضة الحليب وتقشيرتها”، وبالتالي لابد من وجود حلول جذرية، فسعر الحليب ومشتقاته مرتفع جداً في الأسواق، وتكاليف إنتاجه مرتفعة أيضاً.
وحول المقنن العلفي بيّن بكري أنه قليل جداً، وهذا ينعكس على رأس البقر، ويسبب له اضطرابات، وبالتالي لا يخدم المربين، ولابد من دعمهم بشكل فعلي.

مستودعات متخمة
وفي الوقت الذي يشكو منه عشرات مربي المواشي على ساحة المحافظة من عدم توافر المادة العلفية بالشكل الأمثل لدى مستودعات فرع الأعلاف بالمحافظة، ما يضطرهم أمام ذلك الواقع العلفي الذي لا يسر الخاطر للتوجه نحو القطاع الخاص لتأمين هذه المادة لمواشيهم بأسعار تفوق بكثير أسعار فرع الأعلاف، نرى للأسف الشديد أن مستودعات الفرع متخمة بالمادة العلفية، الأمر الذي أدى إلى تكديسها، وتالياً سينتهي بها المطاف إلى سوء التخزين جراء تخزين أطنان منها بالعراء، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: مادامت هذه المادة متوافرة بأسعار مناسبة لجيوب المربين فلماذا إذاً كل هذا التكديس؟!.
مدير فرع مؤسسة الأعلاف وائل الشوفي أكد أن العلف الذي تقدمه المؤسسة ضمن المواصفات القياسية السورية، ومن معامل خاضعة لعمليات التحليل والمراقبة الدورية من حيث التحليل الكيميائي والفيزيائي، وعن أسباب عزوف المربين عن استخدام تلك الأعلاف، بيّن الشوفي وجود عدة أسباب، أولها البيع النقدي للمربين، بينما القطاع الخاص يبيع بالدين، إضافة إلى قلة المادة التي لا تغطي أكثر من ١٥% من الاحتياج، حيث يقدم 75 كغ للرأس كل شهرين، بينما الحاجة تصل إلى 600 كيلوغرام تقريباً، وبالتالي لا يمكن إلغاء دور القطاع الخاص، خاصة أن المطاحن تبيع للقطاع الخاص بدلاً من المؤسسة، وهذا أدى إلى انخفاض الإنتاج.

دورة علفية
طبعاً تخزين المادة وعدم تصريفها عزاه رئيس مكتب نقابة التنمية الزراعية باتحاد عمال السويداء ضياء أبو غازي إلى: أولاً عدم رغبة المربين باستجرار المادة العلفية من مؤسسة الأعلاف تحت مسوغ أن نوعيتها غير جيدة، وتالياً توافر المراعي الخضراء، الأمر الذي أوقف عملية شراء الأعلاف من قبل المربين، وإضافة لذلك، وهذا الأهم، منافسة القطاع الخاص، وخاصة بالأسعار، عدا عن ذلك هناك خلطات علفية مثل جاهز الأغنام والأبقار غير متوافرة بالمؤسسة نتيجة الأعطال المتكررة للمعمل الكائن في دمشق، والمسألة المهمة أن توزيع المادة العلفية يتم وفق معايير الدورات العلفية، وهي كل شهرين مرة بكميات قليلة، وهناك تعليمات متعلقة بالتوزيع من المؤسسة العامة يجب التقيد بها، وهذا كان له دور سلبي في إبقاء المادة مكدسة، فهناك مثلاً في مستودع نبع عرى نحو ٦٨٧ طناً من مادة النخالة، و٨٤٠ طناً من مادة الشعير، وفي مركز المشنف يوجد مخزون ٩٠ طناً من مادة النخالة، و٢٦ طناً من مادة جاهز الأبقار، بينما المخزّن في مستودع شهبا ٦٢١ طناً من مادة النخالة فقط، وأضاف أبو غازي بأنه توجد لدينا مشكلة يعاني منها أمناء المستودعات وهي وجود نقص بالمادة، ما يؤدي إلى تغريمهم، علماً أن النقص لا يتحمّله هؤلاء، بل نتيجة أن الوزن عند إدخال المادة، أي عندما تكون رطبة تختلف عنها عند الإخراج، أي يكون وزنها ناقصاً لكونها جافة، وهذا يسجل على أمناء المستودعات، الأمر الذي ألحق بهم إجحافاً جراء تعرّضهم للتغريم، فضلاً عن ذلك هناك معاناة أخرى هي وجود نقص كبير بالكادر العمالي لدى فرع أعلاف السويداء، خاصة في المستودعات، فمثلاً مستودع المشنف: العامل هو أمين مستودع، وقاطع فاتورة، وعامل قبان كونه لا يوجد سوى عامل واحد، فهل يعقل أن يقوم بهذا العمل المضني عامل واحد، لذلك بات من الضروري إعادة النظر بالملاك العددي للفرع، وإنصاف أمناء المستودعات.

إجراءات سريعة
إذاً لابد من دق ناقوس الخطر، واتخاذ إجراءات وتدابير إسعافية وسريعة لحماية الثروة الحيوانية من الزوال، وأهمها تقديم تسهيلات القروض للمربين بلا فوائد، والإرشاد المستمر عن طريق الوحدات الإرشادية منعاً لانتشار الأمراض التي تؤثر على الإنتاجية، ودعم إقامة مصانع محلية للأعلاف، والتوسع في زراعة النباتات الرعوية، والأهم هو إحداث صندوق دعم المربين لتشجيعهم على الاستمرار.

رفعت الديك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *