مشاعر

عبد الكريم النّاعم

تحتار أحياناً من أين تبدأ، رغم أنّك قد رتّبتَ أفكار ما تريد البوح به، فتَزاحمُ الأحداث يضغط عليك من كلّ اتّجاه، وأنت فردٌ طاقاتُك محدودة، ولا بدّ لك من التوقّف ولو قليلاً لأخذ شهيق طلباً لمزيد من الهواء النقيّ، بينما يقف في الطرف الآخر حشْد من الأجهزة المصمَّمة بتقنية عالية مضمونة، فهي لا تتعب.
ما أتعس العالم الذي تحتلّه شيئاً فشيئاً بعض تلك الاختراعات المُذهلة، فتحوّله إلى أرقام في خزائنها، وأخطر ما فيها أنّها بغير مشاعر، ولقد صيغت بهذه الطريقة لأنّ من تاجر بها تجاهل مشاعر النّاس،، ولم يحفل بآلامهم، هدفه الأساس أن يُحقّق المزيد من الأرباح التي تدخل خزائن سيطرته، ولا يهمّه أن تكون على حساب الجراح، والدماء، ويُتم الأطفال، وإشاعة الوباء في كلّ اتّجاه، صحيح أنّ ثمّة مبتكَرات قد وضعت العالم بين يدي أيّ مُتابع، ولكنْ هل فكّر أصحاب الرّغبة في امتلاك حتى الفضاءات الافتراضيّة في الجوانب السلبيّة التي يخلّفها الضخّ الذي لا ينقطع؟!!
لماذا يُراد لهذا الكائن البشريّ أن يغرق في فكرة (الاستهلاك)؟!! إنّه يستهلك الوقت، ويُلغي الحلم، ويقلّص الخيال، أحد منابع الإبداع البشريّ، فما الذي يستطيع تقديمه مُستعبَد بهذه الصّيغة،؟!! إنّه تدريجيّاً يتحوّل إلى آلة، أو شبه آلة، توجّهه ضغطات الأزرار، فيتحرّك متوهّماً أنّه حرّ فيما يريد!!
تُرى أهي العودة إلى عصر عبوديّة جديد فوق ظهر هذا الكوكب؟!!
في مكان كذا أغنى هرّ غاضب يموت، “كلب يكشف جثّة طفل وليد دفنته أمّه حيّا وفرّت” ما يُعرَض على شاشات التلفزة ممّا أوصلوا إليه اليمن، حين تُعرض صور مرضاه، وجائعيه، ومشرّديه، أغمض عيني لكيلا ينطفئ آخر بريق يسندني من الانهيار.
ماذا يريدون؟!! مزيداً من المال، لبلوغ المزيد من اللّذائذ الحيوانيّة، المتحلّلة إمّا إلى جيفة نتنة، أو إلى القاذورات التي يطرحها الجسم لكيلا تُفسّخه؟!!
يوم قال ابن عربي لبعض أصحاب العصبيّات العمياء “معبودكم تحت قدمي هذا”، وكان يعني الذهب.. قتلوه، لدى بعض أهل العرفان أنّ الذّهب والفضّة هي من سنخ إبليس الأبالسة، وها طواغيت الأرض لا يهمّهم إلاّ الحصول عليهما ولو على حساب قتْل الأخ لأخيه.
هل عرفتم نبيّاً كان غنيّاً، أو كنزَ المال؟!!
أنظُرْ الآن إلى الاستعلاء الشيطانيّ ومراكزه في العالم.. تجدْ أنّ العلوّ والاستكبار لمن يملك أكبر قدر من ذلك الأصفر/الأخضر، وهو في هذا العصر بيد بيوتات المال الصهيونيّة، وفي خزائن الذين آزروها لدرجة التّماهي.
البلدان التي نعدّها متقدّمة بمقاييس هذا العصر، والتي تؤمّن لأبناء مجتمعاتها الرّفاه، والكرامة، وتصونهما، تستغرب أنّها حين تُعرَض مسألة كالمسألة الفلسطينيّة، بجذورها، وعواقبها، أو حين يُطرَح ذلك الخراب الذي أشاعوه في منطقتنا، للأسف تجدهم ينصاعون لرغبة الأزعر التاريخي، أمريكا والصهيونيّة، فتتهرّأ في الأعماق تلك الروح الإنسانية التي أنجزتْها في بلادها، لأنّ الأصل ألّا يقف قادر على ردّ الظلم متفرّجاً، وإلاّ كان شريكاً فيه.
الذين وُلِدوا في الأزمنة القاتمة الظالمة ربّما تأقلموا مع المجريات، بمشاهدها المتنوّعة، وقد ينسجون، ولو بالوهم، ما يعتبرونه درعاً يقيهم بشكل ما شرور تلك الشرارات المتطايرة، فماذا عن الذين وُلدوا في أزمنة لاحتْ فيها بوارق أحلام تسند الرّوح؟!!
لا أريد أن أكون متشائماً، ولا ذلك من طبعي، فأنا أراهن على أنّ الغاية من خلق الإنسان، من قِبَل مبدعه هي الوصول به إلى كمالات تليق بغاية الخلق الإلهي، فالله لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا لأهوائنا المُهلِكة، فأرسل الهُداة، ويسّر للمصلحين الاجتماعيّين، وأشاد بالذين جاهدوا في سبيل أنفسهم وفي سبيل البشريّة، ولم يأت رسول يدعو إلى السائد المُرّ: “اللهمّ أسألك نفسي”، عسى أن تكون الطفرات والانجازات العلميّة مقدّمة لزمن لا تخبو فيه الأنوار، ولا يتغلّب فيه الطّاغوت…

aaalnaem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *