“داريو فو” ونوبل

 

على خلاف معظم أهل الأدب، الحالمون بجائزة “نوبل” للآداب، والساعون إليها خاطبين ودّها بأي ثمن، حتى لو كان بتنازلهم عن العديد من القيم الإنسانية التي يجب أن يحملها الأديب ليكون أديباً حقاً، سيفاجئ المسرحي والممثل والكاتب الإيطالي “داريو فو”-1926-2016- الحائز على جائزة “نوبل” للآداب -1997-المنظمون والحضور بل والعالم بأسره، بعدم اكتراثه بها، بل وبكونها هي من سعت إليه، وذلك بما أقدم عليه في الحفل الذي أقامته الأكاديمية السويدية على شرفه بمناسبة حصوله على الجائزة، مخالفاً التقاليد السائدة في الأكاديمية، والتي تقتضي أن يقوم الفائز بالجائزة، بمختلف قطاعاتها، بإلقاء ما يُعرف بـ: “محاضرة نوبل”، يقدم فيها خلاصة تجربته الإبداعية، حيث جرت العادة أن تتضمن تلك المحاضرة، رؤيته الشخصية لهذه الجائزة، قبل أن تدخل كوثيقة أساسية إلى أرشيف الأكاديمية.
“فو”، لم يخرج عن الأعراف والتقاليد المعروفة بما يخص هذا الشأن، لكنه أراد بما قام به، أن يعيد التأكيد والتشديد على الجوهر الفعلي الذي قامت أكاديمية نوبل، على أساسه بمنحه جائزتها الثقيلة، وعوضاً عن المحاضرة المنتظرة، جاء “داريو” إلى ستوكهولم، متأبطاً 25 رسماً كاريكاتورياً، قام هو برسمها على طريقة الرسوم المتحركة، مختصراً فيها مراحل حياته الفنية، مُضمناً تلك اللوحات، مواقفه الفلسفية والأخلاقية، والتجارب التي مرّ بها، خلال مسيرته الفنية، التي صنعها كمسرحي مهرج، ساخر من بلاط المؤسسة الرسمية على اختلاف أنماطها، ثم قام بتوزيع تلك اللوحات على أعضاء الأكاديمية، على أنها “المحاضرة” المطلوبة.
“فو”، سيؤكد بعدها وفي حوار أجرته معه جريدة “لوموند” الفرنسية، على اعتزازه بكونه يحمل لقب “ملك المهرجين”، الذين سخروا من البلاط الملكي في العصور الوسطى، وثأروا للعامة والفقراء، وهو الأمر الذي أكدت عليه الأكاديمية، في حيثيات قرارها منحه “نوبل”، وفي الحوار إياه، أكد صاحب “السر الملكي” –المسرحية التي تُعتبر من أهم أعماله حينها، والتي أثارت غضب “الفاتيكان” الذي وصفها بأنها أكثر عمل مسرحي فيه كفر وإلحاد- بأنه في عمله المسرحي، عمل على استلهام تراث أستاذه المهرج الإيطالي “روزانتي”، والذي وحسب “فو”، لا يرقى إلى مستواه الكوميدي إلا قلة من أمثال “موليير” و”شكسبير”، بعد أن تعلم على يده أساليب تدمير وإعادة بناء اللغة، مستخدماً المفردات التي لا توجد في أي قاموس، سوى ذلك القاموس الذي يبتدعه الشارع المقهور!
إلا أن مفاجأة مؤلف “امرأة عربية تتكلم”، لن تتوقف هنا، ففي تعليق آخر له على فوزه بالجائزة، قال إن قرار الأكاديمية السويدية، هو فضيحة كبرى لإيطاليا الرسمية، ولمؤسساتها السياسية والدينية والفكرية!، مفاخراً أن تقوم إحدى جرائد بلاده، بالسخرية من قرار الأكاديمية بمنحه الجائزة، بعد أن اعتبرت ما حدث، انحطاطا في القيمة الرمزية لنوبل، التي هبطت حسب الصحيفة نفسها “كورييرا ديلا سيرا” إلى مستوى “ممثل انشقاقي”، معتبرة أن الأكاديمية حطت من قدرها، عندما قامت بالاحتفاء بمهرج!
لكن “داريو” لن يعنيه لا موقف الفاتيكان، ولا المواقف التي جاءت منددة بتسلمه “نوبل”، بل إنه سيبتهج بذلك القرار “الثوري” -كما وصفه- الذي أفضى إلى تتويجه، هو الذي لم يكتب لغرض الكتابة بحد ذاتها، بل كتب لكي يلعب أساساً، ثم يقوم بإضحاك الناس وهو معهم، على مفهوم المؤسسة الرسمية، وذلك باستخدامه خشبة المسرح لفنون لعبه، إن كان من خلال جسده، صوته، رقصه، وأيضاً بتقديمه “القفشة” الساخرة، والنكتة اللاذعة مع الحكمة الفطرية، لرجل الشارع المضطهد سياسياً واقتصادياً وجمالياً، ولكل من لا ينظر إلى ما قدمه من أعمال مسرحية في مسيرته الصاخبة، على أنها مجرد “تنفيس”، بل على أنها مقاومة ساخرة وبليغة، لقهر الهموم عن طريق هزيمة من تسبب فيها!.
قرار الأكاديمية العريقة، وفي حيثياته التي عبرت فيها عن سبب منحها الجائزة له، جاء هو أيضاً بدوره مدهشاً، ومخالفاً لعاداتها وتقاليدها المعروفة عنها، فلقد جاء فيه أنها اعتبرت أن صاحب “موت فوضوي صدفة” –العمل الأشهر له- سار على خطى مهرجي الملوك في القرون الوسطى، وأنه ألهب السلطة السياسية والدينية، بنقده اللاذع، ليستعيد بذلك كرامة المهانين والضعفاء، فخلال سنوات طويلة، قُدمت مسرحيات “فو” على خشبات مختلفة في العالم بأسره، وربما أكثر من أي مسرحي معاصر، ما جعل تأثيره كبيراً وواسعاً، وهو يستحق صفة “المهرج” بالمعنى الحقيقي لهذا التعبير، فهو وبمزيج من الضحك والرصانة، فتح أعين الناس على المفاسد والمظالم الاجتماعية، وأيضاً على المنظور التاريخي العريض الذي يمكن أن توضع أعماله فيه، فتلك الأعمال المتعدة، تؤكد بما لا يرقى إليه شك، على أنه فنان ساخر، لكنه بالغ الجدية، وذلك بما قدمه من أراء ومجازفات خطيرة، دفع أثماناً باهظة مقابلها، كان أحدها اختطاف زوجته وشريكته في العمل المسرحي “فرانكا رامي” وإيذائها جسدياً، وحدث غير مرة أن قام “البوليس” الإيطالي، بإنزاله عن خشبة المسرح ليقتاده إلى السجن، بتهمة الخروج عن النصّ المسرحي، لكن هذا لن يثنيه عما نذر له عمره، وها هو المسرحي الذي كان عضواً بارزاً في الحزب الشيوعي الإيطالي، سيكون من كبار المدافعين عن سجناء الرأي، ومن الساخرين الأشد جرأة من المؤسسة “البابوية”، من الغطرسة الرأسمالية للولايات المتحدة، -التي بقي ممنوعاً من دخولها لعقود طويلة- وأخيراً وليس أخراً، لن يكون مؤلف “من الطارق؟ إنها الشرطة”، إلا منسجماً مع تفكيره وقناعاته بما يخص الظلم العالمي الواقع على الفلسطينيين، ولسوف يقف مطلع السبعينيات، موقفاً داعماً وشرساً لا هوادة فيه مع المقاومة الفلسطينية، التي كانت بالنسبة لأوروبا والغرب عموما تجسيداً للإرهاب المطلق.
“داريو فو”، الفنان والإنسان، اشتغل وأبدع، دون أن تكون الجوائز نصب عينه، ولأنه أدار لها ظهره، هرولت خلفه وفازت به! وفي هذا لعبرة كبيرة.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *