أصداء الشعبوية

ترجمة وإعداد: عناية ناصر

في لحظات معينة من التاريخ، تبدو السياسة متزامنة عبر البلدان والثقافات. وهذا هو الحال اليوم، بدءاً من رئاسة دونالد ترامب إلى البريكست وصولاً إلى صعود الأحزاب القومية في أوروبا، وهي تمثل جميعها رد فعل عكسي ليس ضد العولمة فقط،  بل و ضد ” النيوليبرالية” أيضاً.

فكرة الموجات السياسية المتزامنة تم توضيحها على أفضل وجه في كتاب نورمان ستون عام 1983 “أوروبا المتغيرة 1878-1919″.  كان ستون، الذي توفي العام الماضي مؤرخاً مستقلاً غادر كامبريدج متجهاً إلى أكسفورد ، ثم إلى أنقرة ، وأخيراً ، عمل مستشاراً لمارغريت تاتشر. لقد كان لغوياً رائعاً وخبيراً في تاريخ أوروبا الوسطى ، كان مهووساً بسلالة هابسبورغ والامبراطورية النمساوية المجرية. يصفه أصدقاؤه بالمتحدث الاستثنائي ، وبأنه أحد أولئك الرجال الذين، مثل وينستون تشرشل الذين استفادوا من الأشياء حتى الثمالة.

في” أوروبا المتغيرة “، يوضح ستون كيف أصبح “عالم الأمس” – على حد تعبير عنوان مذكرات ستيفان زويغ – عالم اليوم. إنه يتتبع تراجع أوروبا الليبرالية – ليبرالية بالمعنى الكلاسيكي الأوروبي. في حين لم تلتزم أي حكومة بشكل ديني بمبادئ الحرب، فإن أوروبا في القرن التاسع عشر ربما تكون الأكثر قرباً لنموذج التجارة الحرة ، التي دافعت عنها انكلترا، فقد تجاوزت معظم التدابير الحمائية، وجرى انتقال السلع والناس بحرية تقريباً.

كان يُنظر إلى جوازات السفر على أنها بقايا من الماضي البغيض، أصدرتها دول مثل روسيا والامبراطورية العثمانية فقط . سادت فكرة الفيكتورية القائلة: “يجب أن يضع الأفراد  القيود على أنفسهم ، دون تدخل الدولة”. أصبح جون ستيوارت ميل، وهربرت سبنسر أسماء مشهورة بين الطبقة المتعلمة. ازدهرت أوروبا في فترة التحرر من قيود الحكومة، مع الملايين القادرين على شراء سلع جديدة وأكثر تطوراً، بما في ذلك المنتجات التي خلقتها الثورة التكنولوجية المستمرة. غير أن هذا التحول الاستهلاكي استفاد منه سكان المناطق الحضرية أكثر من سكان الريف. ومثلما كانت أوروبا الليبرالية قد احتفلت بانتصارها، بدأت في تدمير نفسها. وقد بحث ستون عن سبب هذا الانتحار السياسي.

إن التكامل المتزايد للاقتصاد الأوروبي يعني أن الصعود والهبوط الاقتصادي يميل الآن إلى التأثير على جميع البلدان على حد سواء في نفس الوقت تقريباً. ونظراً لأن هذا الصعود والهبوط يؤثر بوضوح على السلوك الانتخابي أكثر من أي شيء آخر، تحركت السياسة الأوروبية بشكل متوازٍ، ففي أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت فترة الدفاع الليبرالي في أواخر التسعينيات من القرن التاسع عشر، كان صعود القومية والامبريالية، حوالي عام 1905 ، وكانت الثورات اليسارية وبعدها حوالي عام 1906 كانت الحكومات الليبرالية أو ذات الميول اليسارية منقسمة جداً بحيث لم تحقق الكثير. بعد عام 1909 ساد عصر الفوضى السياسية في جميع البلدان تقريباً حيث أصبحت السياسة الداخلية مشوشة مع تهديد الأزمة الدولية وسباق التسلح.
يبدو وصف ستون متجانساً بالنسبة لأولئك الذين يفكرون في الشعوبية المعاصرة كظاهرة متجانسة، مع القليل، من الخصوصية الوطنية، إن وجدت. كما سيكون له صدى لدى أولئك الذين يعتقدون أن الاضطرابات في عصرنا تنشأ بسبب الاقتصاد، فقد  زادت التفاوتات في جميع البلدان الغنية، مع الوظائف التي يتم إرسالها عبر البحار وانهيار الطبقات الوسطى. رداً على ذلك ، يبدأ الناس في دعم “رواد الأعمال من الخوف”، كما يصف رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماتيو رينزي اليمين الشعبوي الذي يتعلم باستمرار من تجاربه.

لكن تحليل ستون يبدو أكثر تعقيداً، إذ أراد الليبراليون القدامى الديمقراطية، لكنهم كانوا غير مستعدين لتكييف رسالتهم مع الجمهور الأوسع. عندما جاء “عصر الجماهير” ، كان معظمهم غير قادرين على التحدث بلغة الناس ، الذين تقلبوا بين الحركات الإصلاحية والأحلام الثورية. لقد أدرك ستون أن الليبراليين الكلاسيكيين فقدوا موقعهم القيادي في سبعينيات القرن التاسع عشر لأسباب عملية وأيديولوجية. وكان ما أسماه البعض الكساد الكبير الأول، الناتج عن حالة الذعر عام 1873 ، فقد استنزف عائدات الحكومة. حقق الليبراليون الراديكاليون مثل جوزيف تشامبرلين الإنكليزي، وفرانشيسكو كريسبي الإيطالي اكتساحاً تاماً من خلال الوعد بدور أكثر نشاطاً للدولة، مما مهد الطريق لمزيد من التدخل في السنوات المقبلة، فأصبحت التجارة الحرة ضحية، حيث تبنت دولة واحدة تلو الأخرى سياسات التعرفة الجمركية المرتفعة.
اعتقد ستون أن تغييراً متزامناً كان يحدث في السياسة الأوروبية، وتميل العديد من التحليلات المعاصرة لصعود الشعبوية إلى التركيز بشكل حصري على العوامل الاقتصادية – مثل عدم المساواة والآثار المزعومة للتجارة الدولية على الوظائف – ولكنها تتجاهل التحول الملحوظ الذي نشهده في الخطاب السياسي. إن لغة الحمائية هي ، في جوهرها، لغة ضد الإصلاح، فهي تعد بعزل الدول عن المنافسة الدولية لتجنب خفض الإنفاق العام أو تغيير قانون العمل، أو تقليل العجز الحكومي مع التركيز على المسائل الثقافية ، مثل الهجرة التي هي  أسهل من الناحية السياسية.

الشعبوية، على الأقل في أوروبا، هي دعوة ضد فكرة أننا بحاجة إلى أشخاص أكفاء لإدارة الحكومة. تقلل مثل هذه الدعوة من الإشارات إلى سياسات معينة وتشارك بدلاً من ذلك في  صنع الأساطير السياسية. في الواقع، هذا اتجاه متزامن في أوروبا القارية. هل هو ثمن نحتاج لدفعه مقابل العولمة؟ ربما يكون رد فعل السياسيين الأذكياء فقط هو نفسه في مواجهة حقائق أخرى متجانسة بالفعل، مثل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتبسيط الرسالة السياسية، وصعوبة توصيل الأسئلة السياسية الأكثر تعقيداً اليوم، ومخاطر إصلاح الأجهزة الحكومية المعقدة للغاية بحيث لا يستطيع أحد فهمها.

إن قراءة كتاب ستون هي تمرين جيد لفهم كيف يمكن للتكنولوجيا والاقتصاد التأثير على الدوائر السياسية، لكنه  مفيد أيضاً لوضع أنفسنا في مكانة الطبقة السياسية لفهم مأزقها بشكل أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *