ترامب.. رجل التعرفة الجمركية

هناء شروف

وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بأنه “رجل التعرفة الجمركية”، فهو يستخدم التعرفة الجمركية كوسيلة ضد الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ويفعّلها في المعارك التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى للرد على الممارسات التي هي برأيه “غير عادلة”، بدءاً من سياسات تسعير الفولاذ، وحتى الضريبة التي فرضتها فرنسا على شركات التكنولوجيا الرقمية الكبرى.

قال ترامب متحدثاً على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي: “نتوقع أن يكون بمقدورنا عقد اتفاق مع أوروبا، وإذا لم يعقدوا اتفاقاً فإننا بالتأكيد سنولي ذلك اهتماماً قوياً جداً”، في إشارة إلى الرسوم الجمركية، لقد عاود ترامب التهديد برفع الرسوم الجمركية بنسبة 25بالمئة على قطاع السيارات القادمة من دول الاتحاد الأوروبي إن لم يتم التوصل لاتفاق تجاري طويل الأمد، وذلك بعد أن دأب على اتهام الاتحاد الأوروبي بتحقيق مزايا تجارية غير عادلة، وأصر بعد اجتماع مع رئيسة المفوضية الأوروبية في منتجع دافوس قبل أيام بأنه إذا لم يتوصل الجانبان إلى اتفاق فإن واشنطن ستدرس بجدية فرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية التي تعد المنتج الحيوي الأكبر، خصوصاً لألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ما يعني أن الجانبين الأمريكي والأوروبي دخلا في مواجهات تجارية تضمنت فرض تعرفات جمركية متبادلة على السلع والمنتجات التي تصدر من أحدهما للآخر، وذلك منذ إعلان ترامب فرض تعرفة جمركية على واردات الولايات المتحدة من الفولاذ، وهو الإجراء الذي يؤثر سلباً على تبادل تجاري أمريكي أوروبي يتجاوز عشرة مليارات دولار.

كما فرضت إدارة ترامب تعرفة جمركية بواقع 25 في المئة على سلع أوروبية بقيمة سبعة مليارات دولار سنوياً، وفي السياق نفسه، أيدت منظمة التجارة العالمية قرار ترامب ضمنياً عندما أكدت أنها اكتشفت أن الاتحاد الأوروبي قدم دعماً على خلاف القانون لشركة “ايرباص” المصنعة لمنتجات الطيران والفضاء.

ويستمر البيت الأبيض في الحديث عن تعرفات جمركية كبيرة على سلع أوروبية مثل المنتجات الفرنسية، وذلك رداً على ضريبة الخدمات الرقمية التي فرضتها فرنسا على شركات التكنولوجيا العالمية، وأبرزها شركات أمريكية عملاقة تعمل في هذا القطاع.

من جهة أخرى أبرمت الولايات المتحدة هذا الشهر اتفاقيات تجارية جديدة مع الصين والمكسيك وكندا، في تعديل لاتفاقيات سابقة دأب ترامب على الزعم بأنها “غير عادلة”، وتمثّلت المعركة الأبرز في حربه التجارية مع الصين التي أسفرت عن فرض تعرفة جمركية على واردات أمريكية من المنتجات والسلع الصينية تصل إلى نحو 500 مليار دولار سنوياً.

أشاد الرئيس الأمريكي بهذا الاتفاق الذي وصفه بأنه “كبير وشامل جداً”، ونشر تغريدة على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر قال فيها: “حتى الآن، يعد هذا الاتفاق الأعظم والأكبر الذي يحقق صالح المزارعين الأمريكيين في تاريخ البلاد”.

كما وقع الجانبان اتفاقاً تجارياً قبل أيام، لكن الكثيرين أعربوا عن عدم قناعتهم بأن الاتفاق يستحق ما وصفه به ترامب، فعلى الرغم من الاتفاق، ما زالت أغلب التعرفات الجمركية التي فرضت بين الجانبين على حالها، كذلك واصلت الولايات المتحدة فرض رسوم بواقع 25 في المئة على سلع ومنتجات صينية بقيمة 360 مليار دولار سنوياً، وواصلت الصين فرض تعرفات جمركية على سلع ومنتجات أمريكية بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً، وحتى إدارة ترامب نفسها اعترفت بأنها لم تصل إلى أهدافها الأصلية التي كانت تخطط لها عبر اتفاق تجاري مع بكين، وهو ما اتضح من خلال الاسم الذي أطلقته على الاتفاق التجاري بين الجانبين، واصفة إياه بأنه “المرحلة الأولى”.

كذلك في عام 2019، توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق تجاري يتحكم بقيمة أكثر من 1.1 تريليون دولار سنوياً من التبادلات التجارية بين الدول الثلاث: الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، ومن المقرر أن تحل هذه الاتفاقية التي تشق طريقها ببطء ملحوظ في برلمانات الدول الثلاث محل اتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية (نافتا) الموقعة عام 1994، والتي انسحب منها ترامب بعد أن وصفها بأنها الاتفاقية التجارية “الأسوأ”، وعلى الرغم من تغيير اسم الاتفاقية التجارية، تظل الكثير من المواد التي تضمنتها  كما هي من دون تغيير، بالطبع، ثمة بعض الاختلافات التي تتضمن قواعد أكثر صرامة في البنود الخاصة بالعمالة، وأخرى أكثر قوة فرضت على تجارة قطع غيار السيارات، ولكن يقول محللون: ننتظر أن نرى أهميتها، فالعديد من التحديثات للاتفاقية التجارية بين الدول الثلاث قد طورت خلال مفاوضات سبقت تولي ترامب الرئاسة.

يصنف ترامب نفسه بأنه “صانع صفقات” جيدة، لكنه كرئيس لدولة لديها أكبر اقتصاد في العالم يستخدم التعرفات الجمركية كوسيلة ضغط في المفاوضات التجارية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن للرئيس الأمريكي أن يقول بشكل قانوني إنه قد حقق أي تقدم على صعيد أداء قطاع التجارة الأمريكي؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *