حلب.. تحكي قصة الموت والانبعاث في أحيائها

 

 

“بيريا” المعروفة باسم حلب، وهي قديمة جدّاً، ربمّا تعود إلى ما قبل التاريخ، تقع في السهول المنبسطة، على الطريق الرئيسية الممتدة من الغرب وحتى آسيا الوسطى، وبالعكس، وكان التجار الحلبيون يجلبون مختلف أنواع البضائع من جميع أنحاء العالم ويحملونها على قوافل الجمال في كل الاتجاهات، إلى أبعد البلدان كالجزيرة العربية والهند والصين أيضاً.
تقع حلب على خط العرض 36 درجة وخط طول 65 درجة، وهي مبنية على تلال متوسطة الارتفاع، وقد شيدت على التلة المتوسطة الارتفاع قلعتها، على كامل المساحة وتمّ تغطية سفحها بالألواح الحجرية الكبيرة، وهي محاطة بخندق عميق يمتلئ بمياه الأمطار، وقد خربت القلعة مرّات عديدة، ثم أعيد ترميمها، أو بناؤها، وكذلك السور وزاد من جمالها بناء الأبراج على السور، الذي له شكل مرّبع شبه منتظم، وتقع القلعة في وسط النصف الشرقي للمربع تقريباً.
للمدينة تسعة أبواب، ويعتبر “باب قنسرين” أكثرها جمالاً، ويعتقد أن سيف الدولة هو الذي بناه في حوالي القرن العاشر، وقد سمّي باسم منطقة كانت تعدّ مدينة رئيسية في سورية، أمّا الباب الجنوبي فهو “باب المقام”، ويمرّ السور بين هذين البابين لمسافة محدّودة على طول حافة صخرية عالية وعرة، وسمّي بذلك لأنه يؤدي إلى مقام إبراهيم، وقد بدئ ببنائه زمن الملك الظاهر، وانتهى في زمن ابنه الملك العزيز، وتحيط بأحد جوانب التلال الرئيسية في المدينة قلعة الشريف، ومن الجهة الشرقية يطلق على أوّل باب “النيرب” وثمة باب آخر يسمى “الباب الأحمر” وقد هدمه إبراهيم باشا وبنى بحجارته الرباط العسكري “القشلة” و”المستشفى العسكري”، وفي الطرف الشمالي يوجد “باب الحديد” وعلى الجانب ذاته، وباتجاه الغرب يوجد “باب النصر” وكان يطلق عليه اسم باب اليهود، إلا أن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، أعاد بناءه، وجعله أضخم وأجمل مما كان عليه، غير اسمه إلى “باب النصر”.
يرتفع السور على الجانب الغربي من المدينة ارتفاعاً عالياً، ويمرّ الطريق الرئيسي تحته ويأتي أوّل باب في ذلك المسمى “باب الفرج” ويطلق عليه الأوروبيون “باب الجنان” وسمي بذلك لأنه يؤدي إلى الجنائن التي تقبع أمامه، أمّا الباب الثاني الذي يقع بالقرب منه، فيطلق عليه “باب العتمة” أو سوق العتمة. وإلى الجنوب نجد “باب أنطاكية” وهو باتجاه الطريق المؤدية إلى أنطاكية، ونجد برجاً منقوش عليه أسدين متقابلين وكتابة من العهد الفاطمي تؤرخ للمكان، وهناك أبراج لا تزال تحافظ على أقسامها الداخلية السابقة على الجهة الغربية للسور.
تعرضت المدينة لعدة غزوات شنها التتار عليها في سنة 1260، بقيادة هولاكو، ومن ثم بقيادة تيمورلنك في سنة 1400، ولم يسلم المسجد الكبير من مذبحة كبيرة ومن الإحراق.
إنّ ظهور الأتراك السلاجقة، وهجوم الصلبيين عليها، والنزاعات الداخلية والطائفية، كلّ ذلك دفع الأهالي إلى اتخاذ إجراءات أمنية شعبية في نظام الدفاع وبناء الحارات المغلقة لحماية أنفسهم، ففي أقل من قرن حوصرت حلب اثنتين وعشرين مرّة، واقتطع منها سهلها الزراعي، ورغم ذلك فقد استمرت الحياة تسري في أحيائها وأسواقها التجارية.
إن الفوضى السياسية واضطراب حبل الأمن، وتعرّض المدينة للغزو والحصار باستمرار، أوجد نوعاً من التنظيم العسكري الشعبي في الأحياء، لكن هذه الظاهرة انحرفت فضمت هذه المجموعات طبقة من اللصوص والشطار والزعران والبلطجية. لم تعد القلعة حيّا ملكياً كما كان في العهد الأيوبي، إنها مجرّد بناء فارغ تحميها حامية صغيرة، وقد أحاطت التجمعات السكنية بها من كلّ جانب، ممّا أفقدها الكثير من قدراتها الدفاعية، وأمام ساحتها نشأ سوق الخيل حيث تمركزت فيه صناعة السروج والرحال والأقواس والسهام وأنواع من التجارة الأخرى، وأخذت الحوانيت والمطاعم تحيط بالسوق، وعادت الحياة تدبّ بقوة في الأسواق التجارية القديمة التي توسعت إلى جانب أسواق أخرى بنيت، وانتشرت الخانات التي كان يخصص قسمها الأرضي لتخزين البضائع وعرضها، وقسمها العلوي لسكن الغرباء. وشهد القرن الخامس عشر توسعاً في صناعة الصابون حتى شكلت المصابن حيّاً خاصاً يعرف باسمه، ونشأت حارات جديدة في الجهة الشرقية يسكنها صناع الغزل والقماش وغيرهما.
زوّدت الأحياء بمساجد كبيرة، وكان الزنكيون والأيوبيون رجال فكر إلى جانب كونهم رجال حرب، فاهتموا بالمؤسسة التعليمية، وأكثروا من إنشاء المدارس والمساجد، أما المماليك فكانوا رجال حرب، ولكنهم اهتموا بإنشاء المساجد ذات المظهر المعماري الفخم، أو المقابر المملوكية الرائعة التي تضم رفاتهم.
لقد كانت أسواق حلب المغطاة مركز جميع عمليات الاستيراد والتصدير، وكانت مكشوفة في الفترة الأولى ثم تمّ تغطيتها ابتداء من القرن السادس عشر، وتقع السوق المغطاة في حي المدينة، وتمتد من باب أنطاكية حتى القلعة، وهي عبارة عن سلسلة طويلة من الدكاكين لها تفرعات كثيرة وهي مغطاة بقناطر حجرية، وأزقة السوق الضيقة مرصوفة بشكل جيد، وتفتح عليها دكاكين صغيرة لا تتعدى مساحتها مترين إلى ثلاثة أمتار، ويعد سوق إسطنبول الكبير أكثرها جمالاً وأوسعها موقعاً، وتغلق الأسواق أبوابها بإحكام عند المغرب منذ القديم، وكانت الأسواق لا تدخلها الشمس والهواء النقي، فكان التجار يلبسون الفروات للاحتماء من البرد، ويشعلون النار في بعض الأمكنة، وهي مقسمة إلى أسواق متخصصة استناداً على السلع التي تباع فيها، فهناك، سوق للصاغة وسوق للمنسوجات وسوق للحبال وسوق للتوابل.. الخ.
وهكذا نهضت حلب من تحت الأنقاض حرّة، وأعاد الحلبيون بناءها من جديد، لقد حملت الحياة الحديثة معطيات جديدة في العمران والاجتماع، كان لها الأثر في بنية الفرد النفسية وعلاقاته الاجتماعية، ولعل أروع ما في أحياء حلب ذلك التجاور الرائع بين القديم والحديث، فالأحياء الحديثة شاهدة على قصة الحياة المتجددة الدافقة، والموت والانبعاث في أحياء حلب.
الآن هذه الأسواق مدمّرة ومخربة ومهدمة، وتحتاج إلى عشرات السنين لإعادة بنائها وترميمها، هذه الأسواق التي كانت، هي والمدينة القديمة، رمزاً لمدينة حلب، أصبحت الآن أثراً بعد عين: إنها كومة من الحجارة، لكن الحلبيين نهضوا وبدؤوا إعادة البناء لمدينتهم القديمة، وشيئاَ فشيئاَ ستستعيد أسواق المدينة ألقها وحضورها البهي.

فيصل خرتش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى