المُعلم “أنطون تشيخوف”

 

 

ربما ووفق تقدير شخصي وعام، لم يسجل التاريخ حتى اللحظة، قاصا بارعا وبديعا، بنتاجه القصصي المحكم السبك والتكوين، وكاتبا رفع ويرفع حتى اليوم، صوت الشارع بمختلف نوتاته المتنافرة، إلى مصاف راقية التقديم والتنبيه، كما هو حال الأديب الروسي العظيم “أنطون تشيخوف”، الطبيب والكاتب الذي تحل ذكرى مولده في هذا اليوم.
29 كانون الأول من عام 1860، ولد الطفل الثالث لعائلة السيد “بافل تشيخوف”، الأب القاسي المعشر والحاد الطباع، سيكون له ستة أبناء بقوا على قيد الحياة، منهم الفتى الذي سيبني لنفسه مستقبلا عظيما، يُحيي اسم تلك العائلة ويرفع لواء وجودها أبدا، وعنه وعن غزير نتاجه الأدبي ومُحكمه، سوف تدور الأقلام والطابعات، ولأجله سيقف الجمهور ليصفق طويلا في مختلف بلدان العالم، فما صنعه هذا الطبيب في حرفة الكتابة الأدبية “قصة-مسرح”، سيبقى خالدا في وجدان الجمهور، الذي وجد بين قصصه وحكاياه، ما لم يجده عند كاتب آخر؛ الفتى الذي خلعت عليه أمه روحها، تَشرب ما في تلك الروح من ألفة القص التي غمرته في سني طفولته، ومن حكاياتها التي تربى بين خيطان نولها، سيذهل العالم بما اعتمل في معمل إبداعه الذاتي، بعد أن صارت الحكايات التي روتها تلك السيدة المهاجرة، هي عوالمه الأكثر رحابة ودفئا، بينما الصقيع في مدينة “تاغانروغ” الروسية، يغفو بجلبة على عتبة البيت والروح، تلك التي دربتها الأيام القاسية طويلا، على معرفة مواطن الجمال تحت أكوام الثلج، ليس الجمال الذي تهبه الطبيعة كما هو، بل ذلك النوع الخاص منه، الذي لا يصل إلى معناه، إلا من أضاءت له العبقرية طريقا موحشا، لم يأنس بغيره، ولم يجرؤ على ارتياده، إلا ومن وهبته الطبيعة والحياة، من لدنها حكمة المعرفة الكاشفة، والقدرة على تطويع اللغة لتكون معبره إلى الخلود.
الحديث عن “أنطون تشيخوف”، تاريخه وسيرة حياته الزاخرة بالدهشة، مُذ داعب الخيال روحه، وراودتها جنيات الإبداع عن مصيرها، هو حديث خاض في دروبه كثر، ولربما لم ينل كاتبا ما ناله صاحب “الشقيقات الثلاث”، من دراسات نقدية لشخصه وما انعكس منها في أدبه، ويكفيه أنه بما أبدعه صار الأستاذ والمعلم لأهم الأسماء في عالم الأدب والمسرح، ولن يقف الأمر عند اسم أو تاريخ بعينه، فالأسلوب والتقنية بل وحتى طريقة التفكير والمنهج، الذي اختطه وصنع بوارقه بما ابدع، سيبقى به وبفرادته، معلما ومرجعا لكل من يريد أن يخوض في عالم القص، الذي صار أسطورة من أساطيره، وأحد أهم مراجعه في التاريخ.
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *