دراساتصحيفة البعث

أمريكا.. نشأة مشبوهة وتاريخ إرهابي

 

د. سليم بركات
يتميّز تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بأنه التاريخ الأكثر اجراماً بحق الإنسانية، كما يتميّز بأنه الأكثر اندراجاً تحت قوانين المحكمة الجنائية الدولية، واتفاقات جنيف، وقوانين الحرب التي أقامها القانون الدولي، لكن القادة الأمريكيين لا يقبلون سلطة دولية تطال أفعالهم، ولاسيما العسكرية منها، الأمر الذي يجعل من تاريخ الولايات المتحدة والذي لم يتجاوز 235 عاماً منذ استقلالها وحتى يومنا هذا، تاريخاً يعجّ بالحروب الظالمة لسكان هذه المعمورة وبشكل لا يضاهيه تاريخ لأي دولة أخرى من دول العالم.
الوثائق والإحصاءات تشير إلى أنّ 93% من عمر الولايات المتحدة الأمريكية هو بمجمله حروب، في الوقت الذي نجد فيه غياباً واضحاً للإستراتيجية الأمريكية في الإفصاح عن هذه الحروب التي تبدؤها على هذا الشعب أو ذاك، والتي غالباً ما تغذي نفسها بنفسها إلى أن تستفز الشعب الأمريكي بهزيمتها، فيلزمها بالعودة إلى مصدرها الأمريكي بغاية تبني إستراتيجية أخرى كما حدث في كوريا، وفيتنام، والعراق.. وغيرها، وهذا بدوره يؤكد أن لدى الولايات المتحدة قوة عسكرية إستراتيجية تعتمد عليها في حروبها، كما يؤكد أن الشعوب التي تتصدى لهذه القوة تمتلك العزيمة والإرادة الأقوى في مواجهة الاستراتيجيات الأمريكية المخادعة.
من أبرز حروب الولايات المتحدة الأمريكية على بلدان العالم خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين هي حربها على كولومبيا عام 1901، وحربها على بنما عام 1902، وعلى كوريا والمغرب عام 1904، وهندوراس عام 1905، وفي العام نفسه على المكسيك لنجدة “بورفيريو داماز” من الانتفاضة الشعبية التي حصلت ضده. ومن ثم غزوها لنيكاراغوا ودخولها إلى الدومنيكان ومشاركتها في الحرب بين هندوراس ونيكاراغوا عام 1907، وكذلك دخولها بنما للتلاعب في انتخاباتها الرئاسية عام 1908، وإرسال قواتها إلى نيكاراغوا لحياكة مؤامرة ضد الحكومة عام 1910، ودخول هندوراس عام 1911 لدعم انقلاب “مانويل يونيلا” ضد الرئيس المنتخب “ميغيل دافيلا”. هذا إضافة إلى قمع الثورة المضادة لها في الفلبين عام 1911 والتدخل في الصين في العام ذاته، وغزو كوبا وبنما وهندوراس عام 1912، لتصبح نيكاراغوا فيما بعد ذلك مستعمرة ما بين 1912-1934، نتيجة احتكار شركة الفواكه المتحدة وغيرها من الشركات الأمريكية، ومن أجل التوقيع على عقد ينصّ على منح الولايات المتحدة الأمريكية الحق في بناء قناة بين المحيطين عبر أراضي نيكاراغوا، إضافة إلى عدد من الاتفاقيات التي أدّت إلى المزيد من استعباد شعب نيكاراغوا. زد على ذلك إدخالها لقواتها إلى هاييتي عام 1914، لتبقى مستعمرة لها لمدة 19 عاماً، واحتلالها للدومنيكان لمدة 8 سنوات منذ عام 1916، وكذلك لكوبا عام 1917، ومشاركتها في الحرب العالمية الأولى ما بين عامي 1917-1918، والتدخل في روسيا ما بين عامي 1918-1920، زد على ذلك أيضاً تدخلها في بنما ما بين عامي 1918-1920، وإدخالها لقواتها إلى كوستاريكا عام 1919 وكذلك هندوراس في العام ذاته، هذا إضافة إلى دعمها للجماعات المسلحة الساعية للإطاحة برئيس غواتيمالا “كارلوس غيريرو” والتدخل في تركيا عام 1922، وفي الصين ما بين 1922-1927، وغزو هندوراس ونيكاراغوا ما بين 1924-1926، واحتلالها للصين ما بين 1927-1934، وغزو السلفادور عام 1932، ونيكاراغوا 1937، وفي عام 1945 كان قصف الطيران الأمريكي لمدينة دريسدن الألمانية، والذي أدى إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص، وإلى تخريب 60% من أبنيتها، وفي 6 آب عام 1945 كان أمر الرئيس الأمريكي ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على مدينة هوريشيما اليابانية والتي أودت بحياة 78150 شخصاً إضافة للآلاف من المشوهين، وفي 9 آب من العام ذاته كانت القنبلة الذرية الثانية على مدينة ناغازاكي اليابانية والتي حصدت أكثر من 73884 قتيلاً، و60 ألف جريح، إضافة إلى الإبادة الكاملة لكل حيوان ونبات وحتى الحشرات، وما بين 1947-1949 أشعلت حرباً أهلية في اليونان ذهب ضحيتها أكثر من 154000 شخص، وأودعت السجون ما يقارب 40 ألفاً، هذا إضافة إلى إعدام 6 آلاف بموجب أحكام عسكرية، وما بين 1948-1953 كان غزو الفلبين، وفي عام 1950 بورتوريكو وما بين 1950-1953 كان غزو كوريا وفي عام 1958 كان غزو لبنان، وكانت الحرب على بنما في العام نفسه، وفي 1959 كان الدخول إلى لاوس، وهاييتي، وفي عام 1960 كانت العملية العسكرية في الإكوادور، وكان غزو غواتيمالا، وما بين 1965-1973 كان العدوان على فيتنام، وكان غزو غواتيمالا عام 1966، كما كان الدعم العسكري لأندونيسيا والفلبين، وما بين عام 1971-1973 كان قصف لاوس ونيكاراغوا، وفي 8 تموز عام 1982 كانت قطع الأسطول السادس على مسافة أقل من (50 كم) من السواحل اللبنانية لإسناد القوات الصهيونية التي غزت لبنان يوم 5 حزيران عام 1982، وفي 1983 كان التدخل العسكري في غرينادا، وفي عام 1986 كان الهجوم على ليبيا، وقصف طرابلس وبنغازي، وفي عام 1988 كان الغزو الأمريكي للهندوراس، وفي عام 1989 كان القمع الأمريكي لاضطرابات جزر العذراء، وفي عام 1991 كانت العملية العسكرية الواسعة في العراق، وما بين عام 1993-1994 كان احتلال الصومال، وفي عام 1998 كان القصف الأمريكي لمصنع الأدوية في السودان، وفي عام 1999 كانت حرب الناتو على يوغسلافيا.
مع بداية القرن الحادي والعشرين استمرت الولايات المتحدة الأمريكية بحروبها الدموية، المركزة على المباشرة أو بالوكالة، ولاسيما على منطقة الشرق الأوسط وفي الطليعة الوطن العربي متخذة ذريعة الحرب على الإرهاب، ففي عام 2001 كان غزو أفغانستان تحت ذريعة القضاء على تنظيم القاعدة، ليثبت فيما بعد أنها كانت هي نفسها وراء ظهور هذا التنظيم الإرهابي، وفي عام 2003 كان غزو العراق بمعزل عن موافقة مجلس الأمن، وفي عام 2011 كان غزو ليبيا المخالف لقرارات الأمم المتحدة، وفي العام ذاته كان وقوفها مع الإرهاب الذي صنّعته وأتباعها لتدمير سورية، كما كان وقوفها إلى جانب آل خليفة في قمع شعب البحرين، وفي عام 2015 كان دعمها للعدوان السعودي الإرهابي على شعب اليمن.
ليس تاريخ القادة الأمريكيين سوى تاريخ طويل من الإجرام بحق الشعوب، إنه التاريخ المليء بالصراعات لاحتواء ثورات التحرّر وتثبيت الطغاة، كيف لا وشياطين أمريكا من القادة ممن يستحقون هذا الوصف، يتناسون ارتكاب هذه الجرائم وما تبعها من أحداث، والسؤال: كيف يتناسون ذلك وسجون أبو غريب، وغوانتنامو شواهد على ذلك، ليس فيما يخصّ شعوب العالم فقط، وإنما فيما يخصّ الشعب الأمريكي ذاته ممن يقفون خلف القضبان. وبالتالي كيف لا يكون ذلك وقادة أمريكا وعلى رأسهم ترامب هم من يدعمون الديكتاتوريات الحليفة التي لا تمسّ مصالحهم على مستوى العالم، وفي الطليعة شيوخ النفط، كيف لا وقد قاد قادة أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية أكثر من 75 حرباً وتدخلاً عسكرياً ودعماً لانقلاب عسكري نُفّذ في مناطق شتى من العالم، تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهم أكثر الناس بعداً عن الحرية وعن حقوق الإنسان. وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي يعدّ القادة الأمريكيون من أكثر قادة دول العالم انتهاكاً لحقوق الإنسان والدليل ما يعانيه المجتمع الأمريكي من عنصرية فجة وفقر مدقع في مناطق السود والملونين، إضافة إلى ارتفاع نسبة الجريمة والانحلال الأخلاقي بين جنبات المجتمع الأمريكي، وإلى درجة أصبحت السمة التي يتميّز بها الشارع الأمريكي والمؤسسات والنوادي والمقاهي الأمريكية هي السمة العنصرية، كيف لا وقد وضع فيها وعليها يافطات كُتب عليها بالخط العريض (يمنع دخول الزنوج والكلاب).
وحدها أمريكا تخطّت قرارات الأمم المتحدة ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق الدولية، وبذريعة المفاعلات النووية السرية لتشنّ الحروب على دول العالم، كيف لا وجرائمها السياسية والعسكرية والاقتصادية مازالت مستمرة في سورية والعراق وليبيا واليمن والصومال والسودان.. من خلال القتل، والقهر، والتجويع، والتدمير. كيف لا وهي لا تزال مستمرة ليلاً نهاراً بافتعال الاقتتال الطائفي، وتسعير الحقد المذهبي، وإيقاظ النعرات العرقية والعنصرية في الدول العربية وغيرها من دول العالم، لتذهب بحياة الملايين من البشر والتي قُدّرت عبر تاريخها القصير بـ 500 مليون بشري، فضلاً عن جريمتها الكبرى باستمرار دعمها للكيان الصهيوني الإرهابي وبشكل مطلق وغير محدود على حساب العرب وفي الطليعة عرب فلسطين.
بقي أن نقول: لقد أصبح من الواضح أن أمريكا وعبر تاريخها هي دولة عدوان بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إنها التاريخ الأسود للإنسانية والنشأة المشبوهة على حساب الهنود الحمر، كما هي إسرائيل على حساب الشعب العربي الفلسطيني، ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن أمريكا هي من ينتهك حرية الشعوب، وحقوق الإنسان وحرمة القوانين، وسيادة الدول التي لا تسير في فلكها وركابها ولا تعمل بموجب أوامرها. إنها خلف ذلك كله من خلال تنظيماتها الماسونية الصهيونية المنهمكة بتدمير البشرية، ومن خلال رؤسائها المنهمكين بتصنيع وإدارة الحروب المدمّرة.