ثقافةصحيفة البعث

“صـــدام الحضــــارات”: الماضي المستمر

 

صيف عام 1993 سينشر الأستاذ في جامعة هارفرد “صامويل هنتنجتون”، مقالا في مجلة السياسة الخارجية الامريكية، تناول فيه صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي الجديد،وذلك بعد نهاية الحرب الباردة، إلا أن الردود الكثيرة ومن مختلف أنحاء العالم، التي أثارها المقال، سوف تدفع به إلى العمل على تطويره، جاعلا من زوبعة الردود تلك، مفاتيح داعمة لما تقدم له في نظريته المطروحة، وليصبح المقال كتابا يحمل الاسم ذاته.
الفرضية الأساس في الكتاب، تتحدث عن انتقال الصراع العالمي، من ثنائي القطبية إلى صراع متعدد الأقطاب، أي إلى صراع بين حضارات مختلفة، وهذه الصراعات حسب “هنتنجتون” لن تكون متمحورة حول خلاف أيديولوجيات بين الدول القومية، بل بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبرى في العالم، الرأي الذي بقي قابضا على جمره فيه حتى وفاته عام 2008.
يرفض “هنتنجون” في الكتاب الآنف الذكر، الفكرة القائلة بسيادة الحضارة الكونية، لأنه يرى أن اشتراك الناس في قيم معينة، لا يمكن له أن يفسر التاريخ، فوجود مفاهيم ثقافية مختلفة بين الأمم، هي قائمة أساسا على أهم عاملين يصنعان الفروق بين الحضارات، وهما: اللغة، الدين، وبقدر التعدد الديني واللغوي، تتعدد الحضارات وتختلف؛ إلا ان هذا لن يكون السياق الوحيد أو العام الذي سيقدمه الكتاب، وليجيء السياق الثاني فيه حاملا الفكرة التالية، كفكرة مركزية في متنه، فهنتنجون لم يقبل اعتبار الحضارة الأوروبية على أنها حضارة كونية، فهو يرى أن الترويج لهذه الفكرة من قبل الغرب الأوروبي، ماهو إلا لتبرير الهيمنة الثقافية والاقتصادية الأوروبية على العالم، وكان استخدم في كتابه مفهوم “عبء الرجل الأبيض”، الذي يعمل بدوره أيضا لتبرير هذه الهيمنة على المجتمعات غير الغربية، ليميز بين مفهومي الغرب والحداثة، فالغرب كان غربا قبل أن يكون حداثيا، إذ أن الحداثة بما تنطوي عليه من تطور صناعي، وتمركز حضاري، مع ارتفاع معدلات التعليم، الصحة، تعدد الوظائف والمهن، هي نتائج مشتركة بين مختلف المجتمعات، لكن ما يجعل الغرب غربا، فيعود إلى أسباب مختلفة، وهي برأيه موجودة قبل “الحداثة”، ويمكن إيجاز هذه الأسباب كما جاء في “صدام الحضارات” لعاملين رئيسين.
أول تلك العوامل: “الميراث الكلاسيكي” أي الفلسفة العقلانية والإغريقية، والقانونين الروماني واللاتيني، ثم “المسيحية” بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، والأخيرة هي من أهم وأبرز ملامح الحضارة الغربية، إضافة إلى الإرث اللغوي، فهناك لغات ترتبط بحضارات وقوميات مختلفة، كالعربية والصينية والهندية، أما اللغات الأوروبية فهي نتاج اللاتينية التي تحولت إلى لغات مختلفة بفعل عوامل التطور التاريخي الثقافي والفكري؛ ثاني تلك العوامل هي:”الخصوصية السياسية” والتي تتجلى في الفصل بين الزمني والروحي، أو ما يمكن التعبير عنه بالفصل بين “الله وقصير”، وهي من أهم الثنائيات التي عرفها الغرب، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لحضارات أخرى، كالحضارة الإسلامية والأسيوية، وهذه الخاصية كما جاء في الكتاب، لعبت دورا بارزا في تعزيز مفهوم القانون ومركزيته، إلى جانب التعددية الاجتماعية غير القائمة على صلات القربى، بل على تعدد المهن والوظائف، العاملان اللذان مكّنا حصول التعددية الاجتماعية، ومن ثم إفراز هيئات تُمثلها، أوصلت تلك المجتمعات إلى ما يسمى بـ: “الليبرالية المعاصرة”، وما انطوت عليه من حقوق وواجبات.
لكن “صامويل” يرى أن تلك الخصوصية الغربية، لم تتمكن من ضمان أو صيانة استمرار التفوق الغربي، فالغرب وصل إلى ذروة توسعه ونفوذه أوائل القرن الماضي، بعد مسيرة طويلة امتدت لأربعة قرون، وبعد أن كان يسيطر على رقعة جغرافية تبلغ مساحتها 1,5مليون ميل من مساحة الكرة الأرضية عام 1490، فإن هذه المساحة وصلت إلى 52 مليون ميل مربع عام 1920، لكن هذه المساحة ستعود للانحسار إلى 12,7 مليون ميل مربع عام 1993، وهذا الانحسار حسب “هنتنجتون”، له العديد من الأسباب، أهمها زيادة مساحة المجتمعات الإسلامية المستقلة من 1،8 مليون ميل مربع عام 1920، إلى 11 مليون ميل مربع في 1993، فقد ظهرت اتجاهات خارج العالم الغربي، عملت على تعزيز هوياتها الثقافية وتفردها بخصوصيتها، التي ساهمت بقطع هذا المدّ الاستعماري الغربي، وهيمنته على مقدرات العالم، كبلدان جنوب شرق آسيا التي تمكنت من تحقيق معدلات نمو هائلة، يعود تفسيرها حسب الكتاب، إلى نجاح تلك الدول في توظيف قيمها الثقافية والحضارية في نُظمها الاقتصادية.
يعتبر مؤلف “تصادم الحضارات”، أن فكرة الانحطاط الغربي، لا ينبغي أن تحجب حقيقة تفوقه التقني والعسكري، فحسبه ما زال الغرب عموما، هو القوة الأكثر بطشا في قدرته على خلق الحروب والنزاعات، وعدم توانيه عن إشعال كبرى الحروب التي تخدم مصالحه الاقتصادية أولا، فالمسافة التقنية والتكنولوجية بينه وبين بقية العالم، بقيت محسومة لصالحه، حتى في الدول المتقدمة صناعيا وتكنولوجيا، والتي لم يزل الغرب هو المسيطر عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
الكتاب يعرض للعديد من الأفكار الخطيرة، التي يكشف فيها مؤلفه، عن طبيعة الصراع والنزاعات الكبرى، تلك التي يصنعها الغرب لضمان بقاء هيمنته على العالم، لكن ما فات “هنتنجتون” قوله، أو ما تعامى عنه ربما، هو حقيقة أن الغرب لم يكن بمقدوره أن يصبح على ما هو عليه، لولا النهب المنظم الذي مارسه على العديد من دول العالم، من خلال البلطجة العسكرية التي مارسها خلال أربعة قرون، والتي مكنته من تحقيق تمركز هائل للثروات، وخلق أسواقا جديدة، واستثمار الأيدي العاملة والمصادر الطبيعية الرخيصة، الأمر الذي لم يزل قائما حتى اليوم، ونرى لشروره كيف تفعل فعلها في العالم، من حروب وقتل وتهجير ومجاعات، لا يعنيها إلا إثبات ذلك التفوق المريض، بعيدا عن كل نتاج حضاري وثقافي يدعيه.
تمّام علي بركات