مساءات التعب

مساءات التعب

سلوى عباس

ذات يوم كتب لها: أسئلة.. أسئلة وراءها أسئلة، وصمتك الكحلي وأجوبة بلا نقاط.. عيناك زورق في ليل لا بحر له، ويداك فراشة ولا قنديل يطفئ ضراوتها.

أسئلة، وصمتك الكحلي يشبه آخر عتمة في رحم امرأة.

أسئلة، وأنا مثل الحصى تحت مزراب غيمتك، فامنحيني جنوني لأصحو، أو أعود إلى قبّرة. تتوسدين الأسئلة وقهوتك مثل مساء حزين.

ومن يومها وحتى الآن، مساؤها حزين وقهوتها باردة؟!

****

صعدت إلى الحافلة التي أقلتها إلى مركز المدينة، ونزلت هناك مع مجموعة من رفيقاتها اللواتي قضت معهن ردحاً من الذنوب التي لم تعرف حتى هذه اللحظة كيف لحقت بها.. كل ما تعرفه أنها بلحظة من عمر الخيبة وجدت نفسها وراء قضبان من قسوة.. اتجهت إلى منزل أهلها، وعندما وصلت إليه تذكرت أنه لم يبق منهم أحداً، فقد تركوا البلد هرباً من فضيحة لاحقتهم، دون أن يتبينوا إن كان ما جرى حقيقة أم تهمة مفتعلة.. ذهبوا وتركوها للخيبات تنخر روحها.. وبراءتها التي انتظرتها لسنوات أصبحت منتهية الصلاحية.. ذهبت إلى أحد دور الأيتام علها تجد مكاناً يؤويها، وكان أن منّ عليها الزمن ببارقة أمل ويقبل طلبها للعمل فيه، واستمرت لسنوات وحيدة دون أن يسأل أحد عنها. حاولت اختراق جدار الوقت لتهرب من كل لحظة عنف عاشتها لأجل الحب وفيه، لأجل الوجود، لأجل الحلم، لأجل النزول إلى الشارع، ولأجل العمل ولأجل الحرية، وكل لحظة عنف عاشتها لكونها امرأة، جاءت لتنسى قسوة قلبه الصوان الذي لم يرأف بقلبها الذي حملته محطماً وشردت به في الشوارع والحدائق لتخفف وجعه في تلك الأيام العصيبة.. حبها المنثور على طول الطريق إلى المكان الذي توقعت أن يستقبلها، لكن الأبواب جميعها كانت موصدة وما من مجيب.. عادت أدراجها غارقة بدموعها الحارقة، لا يوجد من تبثه وجعها وتشكو له وحدتها في هذا العالم الكبير.. لا يوجد من يهبها بعض قوته وكبريائه لتكون كما شاءت حريتها أن تكون.

****

هكذا، وفي كل مرة يتألق شوقي لك إلى ذراه أمد يدي لاحتضانك فيخطفك مني خوفك والتردد، أفتح نافذة القلب المفضية إليك دائما وأرسل في سمائك اللازوردية حمامة من عشق وهوى، أحمّلها وجدياتي وأحلامي الندية، أطلقها في جناح من صفاء الروح وسجى اللوعة، تبتعد في فضائك الوسيع ولا يعود منها إلا صدى من تمنّع يؤفل لهائب الشوق، ويذري الكلام على بلاط البرد.. هكذا في مرات كثيرة يؤنبني ظلي ويهز أصبعه في وجهي أن أكون في المرة القادمة أكثر تهذيباً وانضباطاً.. أكثر بأساً في لجم الشوق عن الانفلات على قارعة الطريق، أن أسمو بمشاعري إلى درجات العذاب والاحتراق، فهذا يصقل النفس ويرفّعها عن ما هو إنساني، وترتد كفاي عن صقيعهما.. إلى صقيع انتظارك.. فقرب انكساراتنا يزبد البحر بالنوارس والمحار، ويمضي دمي بكل جراحاته إلى ينابيعك ويعلن أن الشمس ستبقى طفلة الزرقة اللامتناهية، وأن الأرض تدور، وأزهارك الغافية ستضوع بعطر الفرح.. لكني كلما وقفت إلى مرآتي لا أرى فيّ من صفات الملائكة شيء، فليس لي جناحان ولست متسربلاً بالبياض ورأسي لا تحيط به هالة من قدوس الضياء، أجد أني أشبه نفسي، أشبه فلبي كثيراً، سألته مرة هل للملائكة قلوب.. عجز عن الإجابة؟!.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة