ضيق

ضيق

عبد الكريم النّاعم
دخل صديقه، وكان في وضع نفسيّ بالغ العكورة، وهو لا يريد أن يخسر آخر الأصدقاء الأحياء، وكم هو بحاجة لزيارته بين الحين والآخر، فمنذ سنوات لم يغيّر شيئا في حياته، حياته رتيبة رتابة توالي الليل والنّهار، والذين بقوا من أبناء جيله إمّا أقعدتْهم العلل، أو غيّرتهم الحوادث، رحّب به كما يليق بلسانه، وظلّت أعماقه مصطخبة، وأنت أحياناً لا تدري من أيّة شواسع تهبّ تلك العواصف التي لا تُرى بالعين المجرّدة، بعد جلوسه بقليل، وبعد أن أحضر له فنجان قهوة، نظر إلى ملامحه نظرة المُدقِّق، ورسم ابتسامة مواساة وقال: “مابك”؟!
قال: “لا شيء”، قال: “على هامان يا فرعون”؟!!، قال: “أصبحتُ ثقيلا على نفسي وعلى الآخرين، وأنت الوحيد الذي لم يقطعني، وأخاف إنّ أنا توسّعتُ بالشكوى قليلا أنْ تقول بينك وبين نفسك: “حِلّْ عنّا.. يا”.
قال ووجهه طافح بالودّ: “صداقتنا مُقابَرَة، لا فكاك منها إلاّ بالموت، أعرفك تُغلّب التفاؤل على التشاؤم، فما الذي حدث”؟!
تنهّد بعمق ليستجمع بعض الأشتات، وقال: “ما زلت أُغلّب التفاؤل كمقولة، بيد أنّني حين أُدقّق في بعض التفاصيل، لا أكتمك يغلب عليّ الخوف، وفي الخوف مسحة قد لا تكون منظورة من التشاؤم غير المقصود، أنا ربّيت أولادي في ظروف كان المعاش فيه يستر صاحبه، وبشيء من التضييق على النفس يمكن المغامرة في التفكير في أمر أن تتملّك بيتاً، أو أن تتزوّج، اليوم أنظر إلى أحفادي وحفيداتي الذين شبّوا، وأتساءل كيف سيواجهون الحياة؟! مَن الذي تسوّل له نفسه أن يفكّر بالإقدام على الزواج، أو حتى الحلم في أن يكون له بيت مهما بلغ من الصّغر؟! بالأمس سمعتُ في جلسة عابرة من صبيّة تقول إنّ نسبة العنوسة في سوريّة قد بلغت نسبة سبعين في المئة، تُرى كم سيخلق هذا من المشاكل الفرديّة والاجتماعيّة، وكم سينتج عنه من توابع نفسيّة واقتصاديّة؟! صبيّة أخرى قالت بشيء من التبرّم المنضبط: “لقد أكلتْ هذه الحرب زهوة أعمارنا”، مشاكل هذا الجيل قليل ما يُباح بها، وهو جيل أذكى ممّا نظنّ بكثير، لا أقول هذا عن طول معاشرة وخبرة، فهذا شبه مفقود بالنسبة لي، ولكنْ أقوله استناداً إلى ومضات تومئ عبر الحوار، أو من خلال الحديث العابر.
أبناء هذا الجيل يرون بأعين غير أعيننا نحن الذين شخنا، وصرنا خارج الخدمة،.. يرون على مقاطع التواصل الاجتماعي، أو عبر بعض الفضائيات تلك الموائد العامرة بكلّ ما تشتهيه النفس، وتلذّ برؤيته العين، وأصحابها يتباهون بما يفعلون، وبعضهم كان حتى الأمس القريب ما يكاد يملك قوت يومه.
ثمّة آخرون جعلوا من جراح الوطن ودماء الشهداء سلّماً ليرتقوا عليه إلى أعلى وليصبحوا من عليّة من يمتلك الوفير الوفير من المال،.. وثمّة مَن انفصلوا عن الواقع الاجتماعيّ السائد وصاروا أبناء منطقة أخرى لها مواصفاتها الخاصّة، فلم يعودوا على تماس مع البيئات التي جاؤوا منها، وأمثال هؤلاء ما اعتقد أنّ أنين المحتاج يؤثّر فيهم، ولا يرون في الكون إلاّ مَن كان على شاكلتهم، وهؤلاء جميعا لا يشكّلون إلاّ نسبة تتراوح بين العشرة بالمئة والعشرين في أعلى تقدير، فمن الذي جعل القسمة على أن يكون لهؤلاء كلّ هذه البحبحة ولأولئك كلّ تلك الدماء”!!
قال وقد انتقل إليه شيء من رياح عدوى الكلام: “هل وصلنا إلى حائط السدّ”؟!
قال: “ثمّة حَدْس في داخلي يقول لي إنّ الشعب الذي صمد في وجه أعتى معركة تُشنّ على بلد، ووضع قدمه على طريق الانتصار على طواغيت العسكر والمال، والذي ابتكر مقاتلوه من الأساليب ما حيّر العدو قبل الصديق،.. شعب كهذا لا بدّ أن يبتكر طريق الخلاص من كلّ تلك الأوشاب..

aaalnaem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة