شــهــرزاد فـــي وجــــدان “كورساكوف”

 

خلبت “شهرزاد” بحكاياها التي لا تنتهي، لب غير قليل من الموسيقيين العالميين، الذين جعلتهم تلك العوالم السحرية للسيدة الراوية، يحلمون بتنويط تلك الليالي الباذخة الرقة والقوة في آن، ولعل أشهرهم في هذا المجال”نيكولاي ريمسكي كورساكوف”-1844-1908-الموسيقي الروسي الشهير، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده، وهو مؤلف موسيقي فذ، أحد أعضاء مجموعة مؤلفة من خمسة موسيقيين، استلهموا التوجه القومي من سلفهم “غلينكا” في نتاجهم الفني، لتجيء الأعمال التي ألفوها في الموسيقا، مبهرة، ولتُحدث ضجة كبيرة على مسارح العالم حيث تم عرضها، والحديث عن كل واحد من تلك العصبة الموسيقية، يحتاج لفرد مساحة واسعة له، لكن الحديث عن مؤلف “شهرزاد” ريمسكيكوساكوف، له شجونه خصوصا وأن عمله الموسيقي الأهم، جاء بإلهام واحدة من أهم الشخصيات الحكائية في التاريخ العربي، بل ومن أهم نتاجات مبدعيه، كتاب “ألف ليلة وليلة”.
تنوعت الأساليب والمعالجات الدراماتيكية والتلحينية، لمعظم أعمال “ريمسكي” الأوبرالية،إلا أن السمة المميزة الأساسية لإبداعه هي الألحان الغنائية، والاتجاهان الرئيسيان لهذا النتاج الموسيقي هما: التاريخ الروسي وعالم الحكايات والملاحم.
اشتغل ريمسكي على موسيقاه باعتماده بداية على مواضيع من الميثولوجيا الروسية -ما قبل فترة دخول المسيحية-، ساعيا للعودة بالموسيقا إلى الأصول الشعبية كالأغاني الفولكلورية والأناشيد الدينية الأرثوذكسية، وكان ذلك أحد مبادئ مجموعة الخمسة؛ “شهرزاد” هو أكثر مؤلفاته الموسيقية شهرة، فقد كان يعمل في وقت مبكر من عام 1888 على إتمام موسيقا أوبرا غير منتهية، لرفيقه الراحل “بورودين”، والتي كانت تحمل عنوان “الأمير إيغور”، إلا أن أجوائها الشرقية، جعلت “ريمسكي”، يذهب في خياله نحو عوالم أكثر مداعبة للخيال الفني واستفزازا له، ليترك إكمال مشروع صديقه، ذاهبا نحو صناعة موسيقاه الخاصة، المستلهمة أجواءها بالكامل من “ألف ليلة وليلة” وعوالمها السحرية، بما فيها من حكايات، خاضت في الزمن وبقيت راسخة في الوجدان الجمعي العربي والعالمي، الذي اعتمد العديد من فنانيه على تلك الأيقونة الأدبية، في استلهام اشتغالاتهم الفنية عموما.
بداية قام الملحن بتسمية الحركات الأربع التي يتألف منها هذا العمل بالطريقة التقليدية، لكنه استقر فيما بعد على عناوين وصفية، يخرج من بين حروفها عبق الشرق وأجوائه السحرية المبنية على حكايات شهرزاد، فأصبحت أسماء الحركات: “البحر وسفينة سندباد، الأمير كالندر، الأمير والأميرة، مهرجان بغداد – البحر-التحطم”، وكان قد ترك في مذكراته الرأي التالي، الذي يبين طبيعة العلاقة التي جمعته مع الحكايات الألف وعوالمها: “إذا أحب المستمع الموسيقى، ينبغي أن يشعر بالانطباع الشرقي لبعض عجائب الحكايات العديدة والمتنوعة في العمل وليس فقط مجرد أربع حركات عُزفت واحدة تلو الأخرى”.
تمّام علي بركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى