مخالفة القياس في اللغة الشعرية

مخالفة القياس في اللغة الشعرية

 

 

يعد القياس أحد أصول النحو العربي وأركانه، وقد انقسم اللغويون فيه بين مؤيد ورافض وكان النحاة أكثر ميلا إلى القياس من الرواة، لأن بحوثهم تقوم على التشابه الموجود بين الألفاظ والعبارات والأساليب المستعملة في الكلام الذي رواه الرواة مما سمع عن العرب، فاتخذوا هذا التشابه أساسا بنوا عليه قواعد قياسهم وأصوله، واهتموا به وعنوا ببنيان أركانه وإيضاح أنواعه.

وقد قسم الباحثون مراحل القياس إلى ثلاث مراحل، الأولى تبدأ مع نشأت النحو إلى ما قبل ظهور كتاب سيبويه، ومن روادها محمد بن أبي إسحاق الحضرمي. والمرحلة الثانية تمتد حتى القرن الثالث الهجري وأبرز من يمثلها الخليل بن أحمد سيبويه، والثالثة يمثلها أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني.

حول هذا الموضوع يتوقف د. محمد شفيق البيطار في كتابه الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب تحت عنوان “مخالفة القياس في العربية” يتناول فيه ديوان الأعشى الشاعر الجاهلي الذي يعتبره البيطار أنه أكثر شعراء الجاهلية مخالفة للقياس، حيث وجد البيطار من خلال بحثه في كتب اللغة والنحو والصرف وضرائر الشعر، كثرة استشهاد الباحثين بشعره، وتنبيههم على ما فيه من مخالفة للقياس والقوانين المطردة في كلام العرب وأشعارها، حيث قام بجمع ذلك والإضافة عليها من شواهد جديدة كثيرة.

ويرجع البيطار أسباب مخالفة القياس عند الأعشى إلى السبب النفسي باعتباره شاعر قلق مضطرب لاهث وراء شهوات ثلاث تتحكم فيه هي المرأة والخمر والمال، وهذا جعله أقل حرصا على إحكام شعره من سائر شعراء طبقته.

يعيد الكاتب أوجه مخالفة القياس في شعر الأعشى إلى فروع ثلاثة رئيسية وهي: مخالفة القياس اللغوي ويقصد بها مخالفة لما تجري عليه الألفاظ العربية، مثل وزن (فَيْعُل) الذي لم يرد مثيل له في اللغة: إذ قال:

وما أَيْبُليُّ على هيكل    بناه وصلَّبَ فيه وصارا

فقوله (أيبُليُّ) هو فَيْعُليُّ، قال سيبويه: إن أمثال (فيعُل) لم يأت في الكلام.

ومن المخالفات الأخرى قوله:

وما بالذي أبصرته العيو       ن من قطع يأس ولا من يَقَنْ

ويقن مصدر لـ (أيقن) وهي من ضرائر الشّعر كما يرى القزاز القيرواني.

كما ورد في الديوان ولم يرد في المعجمات قوله:

وفتيان صدق لا ضغائن بينهم    وقد جعلوني فيسحاها مكرَّما

فكلمة (فيسح) لم يعثر لها على أصل. كما وردت ألفاظ لم يعرف الشارح لها معنى على وجه الدقة مثل لفظ (شاحِرْد)، وكذلك (السَّكَّيَّ) و(فيتق).

ويجد الكاتب مخالفة الأعشى للقياس في جمع بعض المفردات جمع تكسير مثل قوله:

وجدت إذا اصطلحوا خيرهُم     وزندُك أثقب أزنادها

 

فجمع زند على أزناد والعرب تجمع من الأسماء الثلاثية الصحيحة العين الساكنة جمع قلّة على (أفعل)، وجمع لفظ أنف على آناف.

كما قام الأعشى بحذف أحرف لإقامة الوزن من مثل:

وكأن الخمر المدامة م الإس    فنطِ ممزوجة بماء زلال

حذف النون من (من الإسفنط) لإقامة الوزن.

وفي فرع مخالفة القياس النحوي كأن يستعمل الحرف مكان حرف آخر، أو الحرف والاسم، أو الفعل في غير مكانه الذي وضع له؛ ويصرف ما لا يصرف، أو يترك صرف ما ينصرف؛ وترك إعمال ماحقه أن يعمل وإعمال ماحقَّه ألّا يعمل، وقد يترك حذف ما يجب حذفه، ويحذف مالا دليل عليه، أو ما يجب إثباته ويجده يخالف مذهب العرب في تركيب الجملة، من تقديم وتأخير، واستعمال بعض الصيغ على غير ما تستعمله، وزيادة حرف حيث لا تزيده، ووضع المفرد بدل الجمع، والجمع بدل المفرد، إلى غير ذلك من مخالفات يقدم الباحث شواهد عديدة عليها.

أما بالنسبة للفرع الثالث الذي أشار إليه الصديق البيطار وهو مخالفة القياس العروضي أو ما يسمى بعيوب الشعر وزنا وقافية فإنه أهمله كفرع مستقل في البحث ولم يقدم شواهد معززة عنه، وأن حاول دمج بعضا منه في فرع المخالفة النحوية.

 

آصف إبراهيم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة