من منظور آخر لفهم الحياة.. في فن اللامبالاة

من منظور آخر لفهم الحياة.. في فن اللامبالاة

 

على عكس كتب التنمية البشرية والتي تحثنا على فكرة “التفكير الإيجابي” للوصول إلى السعادة يخبرنا مارك مانسون في كتابه “فن اللامبالاة.. لعيش حياة تخالف المألوف” أن تقبل الأمور السلبية هو جزء مهم لتجاوزها فيما بعد، وأن الوقوع في ارتكاب الأخطاء المرة تلو الأخرى هي التي تقومها في النهاية، فلابد من الخطأ للوصول إلى ما هو صحيح، ولكن من المهم أن نسأل أنفسنا عن ما سنختاره لنوليه الاهتمام والقيم التي سنتبعها في أفعالنا، “عليك أن تختار شيئاً لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت”.

يُغير الكاتب مفهوم السعادة الدارج، إلى أن السعادة هي حالة مستمرة تتلخص في مواجهة المشاكل وحلها بشكل دائم، وأنها ليست شيئا سحريا يستطيع تغيير حياتنا،  فالسعادة تتطلب نضالاً من أجلها، يُحرضنا الكاتب أن نتقبل فكرة أننا أشخاص عاديون، تأتي السعادة من حل المشاكل، وليس من عدم وجودها في حياتنا، ويميل الناس إلى إنكار مشاكلهم وإلقاء اللوم على الآخرين، لأن ذلك مهرب سهل يبعث على الراحة النفسية.

يستعرض مانسون بعض التجارب الشخصية له ولغيره ليطرح وجهة نظره في الحياة والحُب والموت والعمل وأشياء كثيرة جداً متفرعة داخل تسعة فصول بالكتاب، يحكي الكاتب في الفصل الأول  “لا تُحاول” عن بطل يكافح من أجل ما يريده، لا يستسلم أبداً، ثم يحقق في النهاية أكثر أحلامه جنوناً، إلا أنه وبعد أن وافته المنية، كتب على قبره “لا تحاول”. ومن ثم ينصح الكاتب بأن علينا أن نتوقف عن التفكير السيئ، يجب أن نتقبل إحساسنا السيئ لكل شيء، يجب أن نوقف “الحلقة الجحيمية التي تكرر نفسها”، وأن نوقف أنفسنا عن الشعور بهذا السوء.

في الفصل الثاني “السعادة مُشكلة” يتحدث عن قصة بوذا ويتناول فكرة الألم، ويطرح سؤالاً مهماً ما هو نوع الألم الذي يكون الشخص مستعدا لتحمله في سبيل الحصول على ما يريد، فالكاتب يعتبر أن الألم هو من يعلمنا الأشياء ويساعدنا في رؤية ما هو الجيد وما هو العكس، بالنهاية تأتي السعادة من حل المشكلات، لن تشعر بالسعادة من دون أي سبب، حل المشكلة هو ما يخلق السعادة.

في الفصل الثالث “لست شخصاً خاصاً مميزاً” يتحدث مارك عن قصتين طويلتين واحدة لصديقه والثانية له، ويعارض كل الذين يتحدثون عن مميزات كل إنسان، وأن كل منا هو شخص متميز قادر على أن يكون شخصاً فريداً، وهذا غير صحيح لأن غالبية الناس هم أفراد عاديون، مشاكلهم متكررة حياتهم متكررة والاستثنائيون قلة. “قيمة المعاناة” كانت في الفصل الرابع فيذكر الكاتب قصصاً كانت فيها المعاناة جزءا من مراحل الحياة الجميلة وبانتهاء هذه المعاناة انتهت جمالية وقيمة الحياة.  في الفصل الخامس يتحدث المؤلف عن اختيار المعاناة وعنون الفصل بـ”أنت في حالة اختيار دائم” فيقول: بأن أفضل طريقة للوصول إلى النجاح هو تقبل المعاناة كأمر واقع واعتبارها إحدى الخيارات التي يتبناها الشخص، فيشبه فرص الحياة كلعبة  كل اللاعبين يملكون الأوراق والفائز فقط من يستطيع استغلال ورقه جيداً حتى لو كان ورقاً سيئاً. وفي الفصل السادس “أنت مخطئ في كل شيء وأنا كذلك” يقول الكاتب في هذا الفصل “لقد كنت مخطئاً في كل خطوة من خطوات طريقي، كنت مخطئاً في كل شيء طيلة حياتي، كنت مخطئاً في ما يتعلق بنفسي وبالآخرين وبالمجتمع وبالثقافة وبالكون وكل شيء”. في الفصل السابع “الفشل طريق التقدم” يقول مانسون إذا كان شخص ما أفضل منك في أمر ما، فمن المحتمل كثيراً أنه فشل فيه أكثر مما فشلت أنت، وإذا كان شخص ما أسوأ منك، فمن المحتمل أن السبب في ذلك كامن في آلام عمليه التعلم الطويلة التي مررت بها، هذا ما أوضحه الكاتب وأعطى مثالاً عن الطفل الصغير عندما يتعلم المشي. كم سيقع ليفلح في النهاية؟. “أهمية قول لا” ينقسم هنا الفصل الثامن إلى جزأين، فالأول يتحدث عن ضرورة قول (لا) للقيم السلبية وغير الضرورية التي ستؤثر بشكل سلبي على حياتك، والثاني كان عن العلاقات وبالأخص علاقات الحب يتحدث بواقعية حقيقية بعيداً عن كل هراء الرومانسية وبطريقة عملية لتنجح العلاقة. في الفصل التاسع “وبعد ذلك تموت” يتحدث هنا عن الفاجعة التي حدثت لصديقه “جوش” والتي جعلته يفكر في حياته وفي الموت عموماً، ليوضح فكرة أن الجميع سيموتون يوماً ما، وبتقبل هذه الحقيقة ستكون الحياة أفضل، فكونك ستموت سيجعلك تفكر في كل الأشياء التي تهتم بها ولا قيمة لها وستنحيها جانباً من حياتك لتقوم بأشياء أكثر قيمة.

الكتاب نقلة نوعية في علم التنمية الذاتية، فالمؤلف لا يريد أن يعلمك كيف يكسب الشخص أموالاً طائلة، هو صريح مع القارئ الحياة صعبة وسيئة، ولكن هل معنى ذلك أن يستسلم لها؟ مارك مانسون شخص يحكي قصة حياته وكيفية خروجه من دوامة مشاكله النفسية أو استهتاره وضياعه، وكيف تقبّل حياته السابقة بأخطائه وانحرافه، حيث رأى أن هذه الأخطاء كان لها دور أن تجعل منه شخصاً أفضل، أو كما قال الكاتب بنفسه في نهاية الفصل الأول، “سيُعلمك الكتاب كيف تخسر دون أن تشكل الخسارة مصدر قلق عليك، وأن تثق بأن من الممكن أن تسقط على ظهرك وتظل بخير رغم ذلك”.

عُلا أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة