رؤى- كورونا والمراجعات الكبرى

محمد راتب الحلاق

فيروس  كورونا وما سببه من هلع في المجالات كافة، وعند شعوب الأرض قاطبة، جعل الحضارة الإنسانية بتجليها الرأسمالي المتوحش موضع تساؤل ومراجعة، ولاسيما السلوك الذي تعبر عنه الإدارات الأميركية المتعاقبة، التي تعمل بعقلية التاجر السمسار (الجنباظ)،  وهي الحضارة التي كنا نظن أنها في أوج ازدهارها وعظمتها، والتي زعم من زعم أنها تمثل نهاية التاريخ وغايته، فإذا بها تبدو في غاية الهشاشة، وكنمر من ورق. فقد كشف هذا الفيروس عن القصور الأخلاقي المريع فيها، ولاسيما ما يتعلق بتعاملها مع الدول والشعوب الصغيرة والضعيفة، والدعوة إلى ترك كبار السن يواجهون مصيرهم، بعد أن غدوا عبئاً على صناديق الرعاية الاجتماعية، وهم الذين بنوا أوربا وأميركا بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي جعل الناس يراجعون كثيراً من المسلمات التي كانت حتى الأمس القريب من الأمور التي لا يرقى إليها الشك، وأعاد الوجاهة لكثير من القيم والأفكار التي كان يتم تنحيتها أو التعتيم عليها، ولاسيما القيم التي تميز بين أدوات العولمة وما تنتجه من تقنيات مذهلة وبين خطابها وأيديولوجيتها المتغطرسة. كما أعاد الاهتمام للقيم التي تعطي أهمية كبرى للبيئة، وضرورة الحفاظ عليها وعدم معاملتها بصورة جائرة، لأنها أمانة للأجيال القادمة، وليس من حق الجيل الحالي تدميرها والعبث بها، لا لشيء إلا لتحقق الأرباح الهائلة لفئة مسيطرة من البشر. كما أثبت فيروس كورونا أن البشرية بحاجة إلى نمط آخر من الوعي الثقافي والفكر السياسي والاقتصادي، ونمط آخر من القيم الأخلاقية المغايرة للقيم السائدة، فالعالم بحاجة إلى التخلص من الوهم الذي روجه الرأسماليون الكبار، أصحاب الشركات العملاقة عابرة القارات، وأصحاب وسائل الإعلام المقتدرة، التي باعت للناس كثيراً من الأوهام المريحة لكن الكاذبة..

كورونا أيقظ الجميع من غفلتهم، وذكرهم بقصورهم، ولم يستثن أحداً، فما نفعت الأموال الطائلة، ولا الأسلحة المدمرة، ولا المعابد المشيدة.. والذي يهمني في هذه المقالة أن أقول إن ما بعد فيروس كورونا غير ما قبله، وسيكون لذلك انعكاس هائل على شؤون الحياة المختلفة: الفلسفية والأدبية والفنية والفكرية والثقافية، فقد حان وقت المراجعات الكبرى لكل شيء، بعد أن برهن هذا الفيروس أن الجميع متساوون أمامه، بغض النظر عن موقعهم الاجتماعي أو العلمي أو السياسي أو المالي أو الديني أو العرقي أو الجغرافي. فقد أزال وهم تلك الأنا المتورمة لدى بعض شعوب الأرض، التي أخذتها العزة بما تملكه من القوة العسكرية والتكنولوجية، فجعلت من نفسها مركزاً للحضارة ومعياراً للمدنية والتقدم، والتي ظنت أن ما لديها من التكنولوجيا أو المال أو الجاه أو العسكر يحميها، فجاء هذا الكائن الميكروسكوبي فحول كل فرد في تلك الدول المتجبرة إلى مجرد رقم في الجماعة البشرية العامة، مثله مثل الآخرين، فما من أحد على رأسه خيمة كما يقول المثل الشائع، وأثبت هذا الفيروس أن البشر جسم واحد، وأن مصير كل فرد إنساني في أية بقعة من الأرض مرتبط بمصير الآخرين، وأن الإنسانية انتماء يحق للجميع الانتساب إليه بالدرجة ذاتها، شاء من شاء وأبى من أبى، كما أثبت فيروس كورونا تهافت مقولة (يا رب أسألك نفسي)، فالكل في مركب واحد، فلا نجاة لفرد أو لمجتمع أو لأمة إلا بنجاة الجميع، فلا وطن يعصم من هذا الوباء في حين تكون بقية الأوطان في خطر، إمّا أن يحيا الناس معاً أو أن يموتوا معاً، والأرض موطن للجميع، ولهم فيها حقوق متساوية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *