عندما يتفجر الإبداع من عمق المأساة

عندما يتفجر الإبداع من عمق المأساة

في عصور النهضة الأوروبية كان الوباء موسماً للإبداع الثقافي والفني، وكما ينبت العشب بين مفاصل صخرة، يحدث أن ينفجر الإبداع من عمق المأساة وأن تجود قريحة المبدعين بأعمال خالدة، وكما قال أحد الأدباء “الأدب مأساة أو لا يكون”. عندما تفشى وباء الطاعون الدبلي في القرن السادس عشر، أغلقت المسارح أبوابها أمام جمهورها، ولم يعد أمام المسرحي العالمي “شكسبير” سوى الانصراف إلى القلم والورق لإفراغ شحنات القلق والأرق وطرد شبح العزلة والموت، فأبدع في كتابة باقة من أشهر مسرحياته على رأسها “الملك لير” بالإضافة إلى “مكبث” و”أنطونيو وكليوباترا”.

“الحزن كالوباء يوجب العزلة”، هكذا قال عميد الأدب العربي طه حسين الذي لا نعدم تطرقه إلى المعاناة من الوباء، واليوم في زمن الكورونا ومع انتشار هذا الوباء في العالم كله، هل يستمر الإبداع أم يتوقف؟.

يجيب الفنان رامز حاج حسين الذي لم يتوقف يوماً عن تقديم رسوماته للأطفال بالقول: أنا كفنان أخذت حساسية اللجوء إلى اللغة البصرية المبسطة لتوعية النشء على مخاطر هذا الوباء من خلال ملصقات التوعية بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الحقيقة، أشعر بتقصير كبير بعرض اللوحات الإعلانية في الشارع –للأسف- في مجال التوجه للأطفال بكل وسائل التواصل المتاحة لتفهيمهم خطورة الحالة وخصوصاً الاختلاط واللعب الجماعي، لذلك أحاول رسم مجموعة رسوم توضيحية للأطفال بطريقة لطيفة لنرفع لديهم جميعنا كمجتمع مثقف، درجة الوعي والإحساس بالمسؤولية.

لكن آلية الطباعة والنشر والتبني مازالت مفقودة لطروحات عملية وسريعة كهذه، إذ نحتاج إعلان النفير الفني العام الموجه للأطفال واليافعين فوراً، وإيقاف الفعاليات الجماعية مع الأطفال وهي ما كان دأبي الدائم للتواصل معهم والاستفادة من ورش العمل الخاصة بالرسم المباشر معهم، وتلقي ملاحظاتهم وإبداعهم أكثر ما أثر في داخلي هذه الفترة، وأكثر من لقاء كان مقرراً مع أنشطة بدأنا فيها ولكنها توقفت، لكنني استبدلتها بالتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت وهي برأيي من زاوية نظر إيجابية، فرصة عملية لناحية توجيه اهتمامهم بالجلوس أمام الانترنت لغايات عملية وظيفية مهمة بدلاً من إضاعة الوقت في أنشطة لا تحمد عواقبها.

 

“بكرا إلنا”

وتم تنفيذ إيقاف جميع النشاطات في مشروع “بكرا إلنا” من أجل سلامة الأطفال فقالت الفنانة التشكيلية ومديرة القسم الفني للمشروع بتول الماوردي عن هذا الإجراء: تم التعامل مع مميزي ومبدعي المرحلة الخامسة من مشروعنا من مختلف الفئات العمرية عن طريق نشر ثقافة الوعي لديهم لفايروس كورونا وطرق التفرقة بين الأنفلونزا العادية وكورونا ثم طرق الوقاية الصحية من الفايروس عن طريق عرض فيديوهات موجهة تناسب المراحل العمرية، ويتم التواصل معهم بشكل يومي عن طريق كروبات على الواتس أب بإشراف المدربين المختصين ويتم مناقشة كل ماهو جديد بما يخص الفايروس، وفسح المجال لهم بالتعبير عن رأيهم وطرح الأسئلة والاستفسارات، ويقوم البعض منهم بتنفيذ رسومات بسيطة للتوعية إضافة إلى حثهم المستمر على متابعة أعمالهم الفنية وتصويب الأخطاء بشكل فني مبني على الأصول الأكاديمية للفئة العمرية الثانية.

 

استفزاز للإبداع

لم يطرأ أي تغيير على المخرج الشاب يزن أنزور جراء الحجر الصحي، حيث عبر عن هذه الحالة بالقول: إنني أخلق فرص عمل لنفسي بطرق جديدة، وأحاول جاهداً ألا تتوقف عجلة الفن رغم الحصار، هناك الكثير من الأعمال التي أشارك فيها ولكن في الخفاء من أجل تطوير مهاراتي الإخراجية، خصوصاً أن كارثة الكورونا مستفزة للإبداع، وأنا بدوري آخذ حذري قدر المستطاع من حيث الاهتمام بالتعقيم والنظافة والابتعاد عن أي مسبب للعدوى، وبما أنني أعمل بالإضافة للإخراج في المونتاج والغرافيك هذا يجبرني للجلوس ساعات طويلة وراء الشاشة.

 

العزل الكوروني

وقال الفنان التشكيلي أحمد حاج أحمد الحجر الصحي: لم أقم بأي نشاط يذكر حتى الآن، ولكن كل ما أخطط له هو تحديد ركن في البيت قريب من إحدى النوافذ المطلة على الفضاء الخارجي أجمع فيه عدداً من الكتب والأوراق ومجموعة أقلام وألوان بالإضافة لجهاز الكمبيوتر لاستخدامه في حالة وجود “كهرباء”، هذه هي المستلزمات الضرورية للأسبوع الأول من هذا العزل الكوروني.

 

تأثير الكاريكاتير

في هذا الوقت، يجب أن يكون الوعي في الحياة والصحة والتفاعل مع المجتمع قوي جداً من خلال الشعور بأهمية الطرف الآخر سواء كان قريباً أو غريباً، فتحدث رسام الكاريكاتير نضال ديب: نحن نعيش حالياً حالة الجسد الواحد وأي خلل سيكون ضرراً للبقية، لذلك يجب ألا نكون مستهترين أبداً، ونأخذ الموضوع على محمل الجد. وأنا كرسام قررت الالتزام في البيت والعمل بمجالي علّ وعسى أساهم ولو بجزء بسيط، وأحارب من خلال لوحاتي كما حاربت الحرب بريشتي، واليوم أحارب الوباء أيضاً بالرسم، وأتمنى من خلال لوحاتي المساهمة بنشر الوعي بين الناس لأن فن الكاريكاتير له تأثير كبير جداً في المجتمع ويلامس كل الفئات، ومن الممكن أن يتفاعل أي إنسان معه، وهكذا أكون قد أوصلت الوعي عن طريق الرسم لكل الناس.

 

مشاريع مؤجلة

“الحجر المنزلي” أشعرها بالمسؤولية تجاه نفسها وتجاه المجتمع حيث قالت لينا الزيبق: الآن أنا جزء من عملية الشفاء، وبعد التفرغ من مسؤوليات العمل خارج المنزل أصبح لدي الوقت لقراءة المشاريع المؤجلة، وربما هو وقت إنضاجها وظهورها إلى النور، اليوم هو وقت التفكير فيما كنا عليه وما آل إليه الحال، هل سيكون هذا الوقت دعوة مباشرة لنكون يداً واحدة؟ نتكاتف وندعم بعضنا البعض؟ هذا ما أراه يلوح في الأفق.

وتبقى الفنون والألوان والآداب والموسيقا ضرورية في هذه الفترة المهمة والحرجة، وكفنانة تقول ضحى الخطيب: تساعدنا الفنون هذه الفترة لنكون أقوى، لكن الدور الأساسي للوعي والجدية هو بالتعامل مع هذه الكارثة العالمية على جميع المستويات، فمرسمي موجود داخل المنزل، وعادة أنظم وقتي بين البيت وبين الرسم كعمل، وللصدق حالياً لا أستطيع التفكير بشيء فني لأن الرسم وخلق اللوحة عمل فكري وليس ريشة وألوان وحالة، وأنا كأم وابنة وصديقة يجب أن نكون على درجة من الوعي لنقلل من الانتشار التكاثري للفيروس وعدم تسارع المرض واحتوائه، حتى لا نصل إلى ما وصلت إليه البلدان الأخرى نتيجة قله الوعي وعدم الالتزام بالتعليمات الاحترازية والاستخفاف بالحالة.

جُمان بركات

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة