مفهوم الجمال عند العرب

الجمالُ عند الفلاسفة: “صفةٌ تُلحظُ في الأشياء، وتبعثُ في النفسِ سروراً ورضًى.   و(علمُ الجمال): بابٌ من أبوابِ الفلسفة يبحثُ في الجمال ومقاييسه ونظرياته”، وهو “علمُ الأحكام التقويمية التي تميز بين الجميل والقبيح”.

إنَّ الوعي الجماليَّ فطرة مشتركة بين البشرِ، ومن البَدَهيِّ أنْ نجدَ هذا الوعي لدى الإنسان القديم، فهو يتأمل الجميل ويتفاعل معهُ، فيتجلى في أفعالهِ وأعمالهِ وكلامهِ، أما التفكيرُ الجمالي لدى العرب فلم يتبلور حتى الآن، على حد قول الدكتور عز الدين إسماعيل؛ إذْ ليس لديهم مدارس تتناول المفهوم كما هو الحال عند الفلاسفة اليونان والغربيين، ولم ينظِّروا للجمال على أنَّهُ علمٌ مستقلٌّ بذاته، ربما لغيابِ العملِ الجماعي، ولكن هذا لا يعني أن المفكرين العرب ونقادهم لم تكن لديهم رؤية حول مفهوم الجمال، بل قد تفوق رؤيةَ اليونانيين والغربيين أحياناً، ولاسيما عندما جاء الإسلام وألمحَ في تعاليمهِ إلى الجمال المطلق.

كانت النزعة الجمالية لدى العرب وشعرائهم سابقاً نزعةً حسيةً، وكانَ اهتمامهم بالجمال الشكلي واضحٌ في شعرهم ونصوصهم الأدبية، من ذلك ما جاء في معلقة امرئ القيس حين وصفَ المرأة وصفاً حسياً:

مُهفهفةٌ بـيضـاءُ غيرُ مُفاضـةٍ           تَرائبُها مصقـولةٌ كالـسَّجَنجَلِ

ثمَّ جاء الإسلام وأومأ إلى ما هو أرقى من الجمال المحسوس، وهو الجمال الإلهي والمعنوي والخلقي. فاستمدَّ المفكرون العرب ونقادهم حينها مفهومَ الجمال من الإسلام، وأصبحَ مصدره الخالق، وأنَّ هناك ما هو معنوي أجمل من الشكلي والحسي. وقد بانت تجليات ذلك في الفكرِ والفن بوضوح، غير أن النزعة الحسيةَ كانت هي السائدة. ومن هؤلاء الفلاسفة:

الفارابي: جعل الجمال المحسوس العائد للمخلوقات جمالاً نسبيّاً ناقصاً وهو عرضيٌّ زائل، أما الجمال الإلهي فهو الجمال المطلق الدائم، ومنهُ تستمدُّ المخلوقات والموجودات جمالَها.

التوحيدي: ردَّ التَّوحيدي الجمالَ إلى عناصر عدة، ويذكر منها خمسةً تشترك فيما بينها لتكونه، يقول: “ومناشئ الحسن والقبيح كثيرةٌ: منها طبيعيٌّ، ومنها بالعادة، ومنها بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة”. وقد فضل الجمال الطبيعي على الجمال الفني؛ لأنَّ الأولَ ذو منشأٍ إلهي.

الإمام الغزَّالي: قسم الغزَّالي الجمال قسمين: جمال ظاهري وجمال باطني، والجمال الظاهري هو المحسوس المُدرك بالحواس الخمس، وهو الذي يتمظهر في الأشكال والصور المرئية جميعها، أمَّا الباطني فهو أعمق وأعظم من الظاهري، ولا يُدركُ إلا بالبصيرة التي يتميزُ أصحابها بفكرٍ عميقٍ وإحساسٍ سليمٍ، وقلبٍ يدركُ عمقَ الأشياءِ، ولا يقف عند ظاهرها.

الجاحظ: له إشارات عديدة للجمال في مؤلفاته، فالجمال عنده لا يقتصر على المحسوس من الإنسان فحسب، وإنما في المعنوي والخلقي أيضاً. يقول في كتابهِ (البيان والتبيين): “وكلَّمَ علباء بن الهيثم السدوسي عمرَ بن الخطاب، وكان علباءُ أعورَ دميماً، فلمَّا رأى براعته وسمعَ بيانه، أقبلَ عمرُ يصعّدُ فيه بصره ويحدُرهُ، فلمَّا خرجَ قالَ عمر: لكلِّ أُناسٍ في جُمَيْلِهم خِبْرٌ”. وقالَ في موضعٍ آخر: “وكان خالد جميلاً، ولم يكن بالطويل. فقالت لهُ امرأتُهُ: إنَّكَ لجميلٌ يا أبا صفوان. قال: وكيف تقولين هذا، وما فيَّ عمود الجمالِ ولا رداؤهُ ولا برنسه…” وهو يقصدُ (الطول والبياض وسواد الشَّعر). وقد أشارَ إليهِ في الفنِّ أيضاً في قضية (اللفظ والمعنى)، وأحالهُ إلى اللفظ أي (الشكل)، يقول: “فالمعاني مطروحةٌ في الطريق يعرفها العربيُّ والأعجميُّ.. وإنَّما الشأنُ في إقامةِ الوزن، وتخيُّرِ اللفظِ…الخ”. وخلال هذهِ النصوص يتبين لنا الجمال المعنوي والحسي، وكيف أنَّهُ يفضلُ الشكلَ على المضمون في الفن.

ابن طباطبا العلوي: ألمحَ في كتابِهِ (عيارُ الشِّعر) إلى الجمالِ الفنيِّ، ورأى أنَّهُ يكمنُ “في الاعتدالِ؛ أي الانسجامِ القائمِ بينَ صحَّةِ الوزنِ وصحَّةِ المعنى، وعذوبةِ اللفظِ”، ونظمُ الشعرِ، في رأيهِ، عملٌ عقليٌّ خالص، وكذلك تأثيرُهُ، وهو المقصودُ بمخاطبةِ الفهمِ، ووسيلتُهُ في هذهِ المخاطبة الجمالُ والحسنُ.

وبذلك فإنَّ فلاسفة العرب اتفقوا على أنَّ الجمالَ منشؤهُ الله، فهو الجمال المطلق، وجمالُه دائمٌ أبدي، كما ينقسم عندهم قسمين: جمالٌ مرئيٌّ يُدركُ بالحواسّ، وجمالٌ معنويٌّ يدرك بالقلب، وإنَّ هذهِ الرؤية تجلت أيضاً في فكر النقاد، لكنَّ رؤيتَهم للجمالِ في العملِ الفني كانت ذات نزعة حسية يتجلى في الشكلِ أكثر منه في المعنى، لكنَّ سيطرة الفكر الإسلامي لا تلبث أنْ تعودَ إلى أفكارهم النظرية، مثل الصدق والمقاربة في التشبيه.

هذا وإن النفس هي التي تدرك الجمالَ فتستلذّ به وتطربَ، سواءٌ أكان محسوساً أم معنوياً، شكلاً أم مضموناً؛ أي وجودهُ موضوعيٌّ وإدراكُهُ ذاتيٌّ مرهونٌ بالخبرة والثقافة، فلو كانَ الإدراكُ موضوعياً لتشابهت أذواقنا، ولَكَانَ حكمُنا على الجمال موحداً، وكلُّ ما متّعَ النفسَ وسرّها فهو جميلٌ، ولا يُدركُ إلا عن طريق الحواس، وخاصةً العينُ والأذن، وما دخل من باب العين فهو محسوسٌ مكانيٌّ، وما دخل من باب الأذن فهو محسوسٌ زمانيٌّ، وكثيراً ما يتحول المحسوس إلى معنويٍّ مجرد في غياب شكلهِ، فيبقى أثرهُ في النفس فعالاً.

مجد أحمد القادري

Alqadery1987@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *