مبادئ النغم والإيقاع بين الهواية والاحتراف

مبادئ النغم والإيقاع بين الهواية والاحتراف

” التقى الصوت مع الزمن فتبادلا التحية وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث، لقد اكتشفا أن حياتهما تلتقيان في نقطة واحدة مشتركة هي الموسيقا، وأن كلاً منهما يريد مع ذلك أن تكون له حياة خاصة بها”..هذه الكلمات خطها د. غزوان الزركلي في الصفحة الأولى من كتابه” مبادئ النغم والإيقاع- بين الهواية والاحتراف” الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب إشارة إلى الموسيقا التي تجعل حياتنا أجمل، وتعد أحد مكونات الهوية الثقافية الوطنية.

يرى د. زركلي أن النهضة الثقافية الموسيقية هي التعليم وإنشاء المعاهد الموسيقية المحترفة الوطنية ودعمها بتأسيس مكتبة موسيقية مركزية. وقد دمجت محاور الكتاب بين المبادئ التعليمية لقراءة النوتة والمبادئ الأولى للعزف على البيانو والعود، وخياره لهما قاده إلى التطرق إلى النظريات الموسيقية والمناهج الأوروبية والسورية والمقامات العربية الأساسية، ليجعلنا نقول بأنه جمع بين دفتيه الموسيقا في الشرق والغرب.

ويقترب زركلي في مواضع من السيرة الذاتية له ولحياته الموسيقية التي بدأت عام 1972حينما بدأ دراسته الجامعية الأولى في برلين، وأصبح يفكر بأفكار تكون قريبة من الواقع لتستطيع على الصعيد العملي أن تشارك في بناء الثقافة الموسيقية السورية، ليصل إلى أن الأوضاع الموسيقية في وقتنا الحالي تحتاج إلى التقويم، والعلة الأساسية تكمن في التعليم لأنه يخلق البنية التي تتحلى بالمعرفة وتربي القيمين على مفاتيح الموسيقا في البلد. لذلك يدعو الكتاب إلى تحسين مسار التعليم في المدارس الموسيقية الاختصاصية باعتماد منهج لمرحلة تحضيرية يكون موضوع المادة الموسيقية في مدارس التعليم العام ويكون مرجعاً لمحبي الموسيقا.. واعتماد منهج علمي يتحلى بالاحتراف المهني الذي تقدمه أوروبا وبالانتماء إلى وطننا العربي عامة والسوري خاصة بما يتعلق موسيقياً من تراث كلاسيكي عربي وفلكلوري سوري، وعد زركلي أن منهج المرحلة الموسيقية التحضيرية هو اللبنة الأساسية لمن يرغب في تحصيل ثقافة موسيقية متخصصة. وتمت رسالة د. زركلي بتدوين إشادته في أحد الهوامش” لا ننسى المرحلة المأساوية التي تمر بها بلدنا منذ عام 2011 ونثمن عالياً نشاط كل من بقي مؤمنا برسالة الفن.

فضاء الارتجال

يبدأ الكتاب بسؤال الكاتب متى يجب على الطفل البدء بتعلم الآلة في مدارسنا الموسيقية المتخصصة؟ ليجيب بأنه يفرض على الطالب دراسة سنة تحضيرية لدراسة الصولفيج والنظريات الموسيقية، وأن يتعلم على الآلة مباشرة ويعتمد آلة البيانو كونها الأكثر طلباً للأهالي، ويقسّم التعليم عليها إلى قسمين: تعليم اختصاصي وتعليم إلزامي ويقصد به التعرف إلى الآلة والتعلم من خلالها قراءة وكتابة النوطة الموسيقية ويتقاطع مع دروس البيانو في وقت واحد، إذ يبدأ تعلم العزف على البيانو بقيادة الطفل للتعرف على أصواتها ومداها وأوتارها ودواساتها وإتباع الجلسة الصحية على كرسي البيانو، وفي هذه المرحلة تتم عملية تنشيط السمع لدى الطالب وتحريض المخيلة السمعية عن طريق ما عزفه أو غناه المعلم والبحث عن التعبير عن شيء ما أو عن مؤثرات معينة متعلقة بالبطء وبالسرعة بالعلو وبالانخفاض باستعمال يد واحدة أو اثنتين، وإلى المضي مع الطفل المتعلم إلى فضاء يساعده على التخيل وعلى الارتجال.

 

سمعية بصرية

وفي مبادئ تعليم آلة البيانو يشير إلى التنوع الكبير بمناهج تعليم البيانو ليستعرض اختيار سورية مواد التعليم والاستفادة من طرائق التعليم الأوروبية العريقة والحديثة. وأضاف أمثلة من تجربته الخاصة مع طلابه وقدم شرحاً مفصلاً من خلال الإشارات الموسيقية. وربما تكون الأسس التقنية للعزف أقرب إلى القارئ الهاوي كونها تتعلق بالعلاقة بين الأصابع والمفاتيح ودور بقية أعضاء الجسد في عملية العزف.

 

بيئة الطفل السوري

ومن تعليم مبادئ العزف إلى ضرورة تأليف كتاب صولفيج يتكيف باحتراف مع بيئة الطفل السوري الموسيقية ومع موهبته السمعية، يقع في أربعة أقسام تدريب الصوت العام المستند إلى أداء السلالم الموسيقية سمعياً على كامل درجات المدى الصوتي للأطفال، والنظريات الموسيقية، والصولفيج العام، ومبادئ نظريات الموسيقا العربية المبسطة والصولفيج العربي.

المنعطف في الكتاب هو التفعيلة الشعرية إذ يضع الكاتب القارئ إزاء من ينكر وجود موسيقا عربية لتأثرها بالموسيقا التركية والإيرانية، فيعقب الزركلي بأن الأذن السورية العربية تتفوق على الثقافتين المذكورتين في استيعاب التعدد والاختلاف في عالمي المقام والإيقاع، ويسأل لمَ لا توجد موسيقا عربية مع وجود موسيقا ألمانية وفرنسية وبريطانية وغيرها وهل هذه الموسيقات صافية من التأثيرات الخارجية؟ ويجيب بأن العرب لم يجدوا ضيراً في استعمال أسماء أعجمية في موسيقاهم وهذا يدل على ابتعاد شعوبنا عن التعصب، وأن انتماءَنا الثقافي العربي في سورية يجب أن يشكل قاعدة يستند إليها التعليم الموسيقي. وتطرق إلى التفعيلة التي يبنى عليها الشعر، كذلك الموسيقا اختارت إيقاعات بعينها لإظهار تميزها وتفردها، والدخول إلى الإيقاع من مدخل التفعيلة، وتعليم الطفل التفعيلات على مراحل، وعرض نماذج من التفعيلات ورسمها موسيقياً بتمارين الصولفيج الإيقاعية التي تمثل إيقاع التفعيلات، ثم أوزان الموشحات.

وأنهى الكتاب بربط تعليم مبادئ المقامات العربية الأساسية بتدريس العزف على العود، مثل مقامات الكرد والنكريز والنهوند وغيرها.

ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة