دراسات

الأحمق.. أخطر أنواع البشر

علاء العطار

لا بد أن الحماقة من أخطر وأشنع الصفات التي يمكن أن يتصف بها شخص ما، فترى ميادين العلم والمعرفة في اتساع وهاوية الغباء والجهل آخذة بالاتساع، وأكثر من عبّر عن هذه الحقيقة هو الباحث الإيطالي كارلو سيبولا، في كتابه “القوانين الأساسية للغباء البشري”، إذ وضع خمسة قوانين تصف العواقب الفادحة للغباء، والتي يزيدها الاستهانة به والسكوت عنه، خاصة عندما يكون مصير أمة بأكملها على المحك.

ولعل الحدث الجلل الذي نمر فيه، بسبب فيروس كورونا، قد أثبت صحة ما كتبه سيبولا قبل عقود، وربما يعود ذلك لمعضلة الانحيازات المعرفية، أي أوجه الخلل في الطريقة التي يعالج بها الإنسان المعلومات، والتي تعطينا رؤية مشوهة لما يحدث حقاً. إن أحد أوجه الانحيازات المعرفية هو وهم السيطرة، بمعنى الميل إلى المبالغة في تقدير درجة سيطرتنا على الأحداث التي لا يمكن السيطرة عليها، ولهذا دور كبير في انتشار الخرافات وغيرها، إذ يمنح الناس شعوراً زائفاً أن بإمكانهم أن يؤثروا، بطريقة أو بأخرى، على تدحرج النرد مثلاً، أو إبعاد الأحداث المشؤومة بتجنب القطط السوداء.

لكن المثال الأهم والأوضح في هذا الوقت هو تعامل البعض مع جائحة كورونا باستهتار، وإقناع أنفسهم بأنهم بعيدون عن براثنه، غير عابئين بما سيحصل جرّاء اتخاذهم المرض هزواً. وهذا ينطبق على قانون الغباء الثالث الذي وضعه سيبولا، إذ يقول: “الغبي هو الذي يتسبب بخسائر لشخص آخر أو لمجموعة من الأشخاص دون أن يعود عليه الأمر بأي فائدة، لا بل قد يتكبد خسائر فادحة”. وهذا ما حصل في جملة من البلدان التي اجتاحها الفيروس بسبب استهتار نسبة غير قليلة من سكانها، فلم يترك فيها ركناً سليماً، فهذا الذي يهيم دون إتباع قواعد الصحة التي شددت عليها كل المؤسسات والمنظمات الصحية الدولية والمحلية قد يلتقط العدوى وينشرها في محيطه بغير قصد، وتتسع الدائرة لتشمل مدينة بأكملها أو دولة بحالها، ما سيؤدي بالنتيجة إلى عدد وفيات هائل كان ليصبح أقل بكثير لو اتبع ذلك الشخص قواعد السلامة المنصوح بها. وقد يكون المتسبب بهكذا كارثة أحمق واحد، كما حدث في كوريا الجنوبية في حالة المصاب رقم 31.

لم يخطئ سيبولا عندما وصف الأحمق في قانونه الخامس بأنه “أخطر أنواع البشر“، فحمق شخص واحد كفيل بزهق ملايين الأرواح، لذا لا يمكن التهاون معه، وهو ما يضعنا أمام القانون الأول الذي يقول فيه سيبولا: “يستهين الجميع دائماً وأبداً بعدد الأغبياء المحيطين بهم”، وأمام القانون الرابع: “يستهين غير الأغبياء دائماً بالقوة المدمرة للأغبياء. ودائماً ما ينسى غير الأغبياء بصورة خاصة أن التعامل مع الأغبياء أو الارتباط بهم في جميع الأوقات والأماكن، وتحت أي ظرف من الظروف، سيكون خطأً فادحاً ومكلفاً على الدوام”، وفي هذه الحالة، ربما يكون الثمن حياتهم.

لا شك أن معظمنا، إن لم يكن جميعنا، يشعر بالتوتر، وإن سألت عن السبب لقيل الفيروس. بيد أن ذلك ليس حال الجميع، فأغلبيتنا غير مصابين بالفيروس في هذا الوقت والمكان، لكنّ ما يؤرق هؤلاء في الواقع هو غموض المستقبل، وهو ما يُضفي شعوراً بالحيرة بشأن الفواتير وسلامة وأمن أحبابهم، وما قد يحصل في الأشهر القادمة: هل ستسوء الأمور في العديد من الطرق التي لا يمكن التنبؤ بها، أم سينحسر الوباء حتى يختفي تماماً؟ إذن، فالدافع الرئيسي لهذا التوتر المُرهِق ليس الفيروس بحد ذاته، وإنما آثاره المستقبلية المجهولة.

لذا فالطريقة الأنجع للتعامل مع هذا النوع من التوتر هو اكتشاف ما يمكننا السيطرة عليه أولاً، ومن ثم التخلي عن محاولات التحكم بكل شيء آخر، كفيروس كورونا مثلاً. وتقع على عاتق الفئات “غير الغبية” مسؤولية كبيرة، إذ عليها أن تبذل كل ما بوسعها للتصدي لأعمال الحمقى، خاصة في هذه الظروف الخطيرة، للحفاظ على استمرار النوع البشري وعودة الحياة إلى طبيعتها في المستقبل المنظور.