“البعث”.. تجسيد لنضال الأمة العربية وتعبير عن إرادتها

إبراهيم أحمد

يرسم حزب البعث العربي الاشتراكي من خلال عقيدته التي تبناها ، ومن خلال ما جسّده على أرض الواقع من كفاح  مازال مستمراً , مشروعاً قومياً حضارياً ذا أهداف كبرى غايته النهوض بالأمة العربية وتجاوز واقع التجزئة والتقسيم الذي تغرق فيه أمتنا, والسير بها قدماً للأمام لاستعادة مكانتها في الحضارة الإنسانية، حيث يتسم هذا المشروع الحضاري بالواقعية والعقلانية من جهة, والطموح إلى تغيير الواقع وتجاوزه من جهة أخرى. فقد كان أول ما أكدّه الحزب في أول مبدأ من مبادئه الاساسية التي تضمنها دستوره الذي أقّره مؤتمره التأسيسي الأول عام 1947 أن العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة وأن تكون حرة في توجيه مقدراتها ، و ذلك إيماناً من مناضليه بأن قوة العرب في وحدتهم ، وأن التجزئة التي فرضها عليهم الاستعمار هي علة الضعف ، وأن الوطن العربي وحدة سياسية واقتصادية لا تتجزأ , ووحدة ثقافية , وجميع الفوارق القائمة بين أبناء هذه الامة عرضية زائفة تزول بيقظة الوجدان العربي , كما أكد أن القومية العربية حقيقة حية خالدة , وأن الشعور القومي الواعي الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاً هو شعور مقدس حافل بالقوى الخالقة.. والحركة القومية العربية حركة تحررية تقدمية وإنسانية , فهي تنسجم انسجاماً كاملاً مع منطق التطور ومنطق التاريخ ، ومن خلال العمل المشترك الهادف يمكن تجنّب السلبيات التي يطرحها تطور العصر .. وبالتالي يُتاح السير على الطريق الصحيح باتجاه استعادة الدور الحضاري للأمة العربية .. كما أن هذه الأمة ذات رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة ومتكاملة في مراحل التاريخ ، وترمي إلى تجديد القيم الإنسانية .

لقد حملت شمس السابع من نيسان عام 1947 بشائر مولد فجر نضالي عربي جديد، ونهوض تاريخي من صميم الحياة والواقع ، من الألم والمعاناة ، ومن طموح جماهير أمة خرجت مثقلة بالمآسي التي خلّفها الاستبداد العثماني البغيض لوطننا العربي ، وبالجراح الدامية التي تركها الاستعمار الأوروبي .في مثل هذه الظروف و وسط هذا الصراع المرير ، جاءت ولادة حزب البعث إثر مخاض صعب زادت آلامه المعارك مع الجهل والفقر والعلاقات الاجتماعية المتخلفة والنفوذ الأجنبي ، وشبّ الحزب على آمال الأمة في الوحدة والتحرر ، ومن أجل مستقبلها كافح و لايزال . ومن هنا فإن السابع من نيسان محطة هامة في تاريخ الأمة العربية و نضالها الدائم لتحقيق تطلعاتها. و ذكرى التأسيس تحمل معاني ودلالات تُعبّر أصدق تعبير على أن أهداف الحزب لاتزال هي نفسها أهداف الجماهير ، وأن الحزب استمد قوته من هذه الجماهير التي هي مادته وغايته ولا طريق للنصر إلا من خلالها ولأجلها ، فهي صاحبة المصلحة الحقيقية في التحرروالوحدة والعدالة الاجتماعية.

ذكرى التأسيس تأتي وسورية – قلب العروبة النابض – على مشارف النصر ، وتسطير الفصل الأخير من التصدي للمجموعات الارهابية التكفيرية الأردوغانية ودحرهم بعد أن  عاثوا فساداً وتخريباً ، حيث تعّرضت سورية لأعتى حرب كونية عرفها التاريخ المعاصر -لا لشيء – سوى لأنها تتمسك بسيادتها واستقلال قرارها في منطقة عزّ فيها القرار المستقل والسيادة ، ولأنها تدافع عن العروبة في وقتٍ تمرّغت فيه أغلب الأنظمة العربية في ذل التبعية ووحول القطرية والانعزالية ، و لأنها أسسّت لثقافة المقاومة في زمن جعل بعض الحكام العرب من الاستسلام عقيدة و من الطاعة العمياء والخنوع للغرب الاستعماري عامة والأمريكي خاصة ، موقفاً يفتخرون ويتمسكون به. والمتتبع لمسيرة ” البعث ” منذ البدايات يدرك تماماً طبيعة الظروف التي مرّ بها ، ويعرف وهذا هو الأهم أن التحديات الراهنة هي الأقوى والأشد عنفاً وضراوة وخطورة ، حيث تواجه الأمة العربية بشكل عام وسورية بشكل خاص ظروفاً استثنائية من شأنها أن تطرح أسئلة جوهرية  حول دور الحزب في مواجهة هذه الظروف وفي صنع المستقبل . فالهجمة الشرسة التي تواجهها تستهدف محور المقاومة وقوى الحرية والتحرر في المنطقة بهدف استئصال المشروع القومي وتنفيذ المخطط الصهيوني . ومن هنا تبرز أهمية وضرورة أن يُجدّد  “البعث ” نفسه ومعه فصائل الحركة القومية العربية , ليس فقط لصد الهجمة الإمبريالية الصهيونية ودحرها، بل لتحقيق التجدد في بنية الحركة القومية  العربية وفي أداء أحزابها.

لقد كان ” البعث ” رداً على كل الدعوات الهادفة إلى تكريس تجزئة الوطن العربي إلى دويلات لا تمتلك مقومات النهوض الحقيقي ، وعبّر ” البعث ” في ذلك عن مصداقيته في المواءمة بين الشعار وتطبيقاته ، فقدّم التضحيات الجسام في سبيل القضية الفلسطينية وقدم الشهداء فوق أراضيها واعتبرها قضية العرب المركزية. كما تفاعل ” البعث ” مع الأحداث والتطورات التي برزت آنذاك على الصعيد القومي،  فتصدى للمشاريع والأحلاف الاستعمارية أمثال : حلف بغداد عام 1955 وسياسة ملء الفراغ الأمريكية، كما دعم نضال الأشقاء في الأقطار العربية من أجل حريتها واستقلالها ، فساند ثورة الجزائر واليمن وناصر فصائل حركة التحرر العربية ، و كان ” البعث “في طليعة الأحزاب على الساحة العربية بطرحه القضية القومية منذ بداياته الأولى. وما دوره في قيام الوحدة بين سورية ومصر إلا خير دليل على عمق إدراكه لأهمية الوحدة العربية كمدخل تحرري حقيقي . وإذا كان البعث قد تجرّع مرارة انفصال أول وحدة في التاريخ العربي الحديث ، فإن البعثيين عادوا ليخوضوا معارك النضال ضد الانفصال والتي تُوجت بوصول” البعث ” إلى قيادة الدولة في أعقاب ثورة آذار عام 1963 حيث بدأ التغير الحقيقي في المجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً لتتعمق التحولات الاجتماعية والاقتصادية لصالح الفئات الشعبية التي كانت تعاني الظلم والحرمان ، ولتبدأ سورية بناء دولة المؤسسات ولاسيما بعد قيام الحركة التصحيحية المباركة في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970 بقيادة القائد المؤسس حافظ الأسد الذي قاد تغيرات جذرية في الحياة الحزبية الداخلية ، وفي علاقة الحزب بالجماهير وبالأحزاب الوطنية والقومية و على صعيد تحقيق وحدة الحزب الفكرية والتنظيمية واستنباط تجارب وصيغ كالتعددية الحزبية والسياسية والاقتصادية كإثراء فكري ونضالي يتطور باسنمرار .

ومع تولي السيد الرئيس بشار الأسد مسؤولية القيادة ، بدأ الحزب مرحلة جديدة تتسم بتطوير البناء وتحديثه ليكون أكثر تلاؤماً مع المتغيرات ، والإرتقاء به مع التمسك بالثوابت الوطنية والقومية ، والعمل على تمتين أسس التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي ، وذلك للإسهام في بناء مجتمع متقدم يواكب العصر.

إن “البعث” ومنذ أن وُجد كان موضع استهداف مستمر لأنه يحمل رسالة الأمة ومشروعها القومي النهضوي الذي يرى فيه المشروع الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي مصدر الخطر الأول الذي يحول دون تحقيق أهدافه وغاياته ، ما يجعل الوضع الذي يمر به الوطن العربي عامة ، وما تشهده سورية من حرب ظالمة _ امتحاناً  آخر للبعث – تدفع به للمراجعة الذاتية والموضوعية لمسيرته بحكم كونه معبّراً عن نبض الشارع العربي ويملك القدرة على التعامل مع التحديات الكبيرة التي يتعرض لها الوطن العربي ، فهو بأهدافه وتطلعاته ونضاله ومواقفه يُعّبر عن العروبة أولاً ، وعن آمال الجماهير العربية المؤمنة بهذه الأهداف.

سورية بقيادة  السيد بشار الأسد، وبفضل تلاحم شعبها وجيشها البطل تشكّل محوراً للنضال القومي العربي وصمّام الأمان للحفاظ على حقوق الأمة العربية التاريخية، وهي ستبفى الحصن المنيع في وجه الأطماع الاستعمارية التي تستهدف الأمة ، وسيبقى” البعث” حزب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج لأنه حزب كل مواطن عروبي شريف مخلص لأمته و مؤمن بقدسية قضيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى