التسويق من المنتج إلى المستهلك مصلحة مشتركة

كثيرة هي المعاناة التي يشكو منها المنتجون عند تسويق منتجاتهم، وخاصة المزارعون، نظرا لعدم خبرة الكثير منهم في شؤون التسويق، وغالبا ما يكونون رهن تحكم تجار سوق الهال بهم، فالتجار هم الذين  يفرضون السعر الذي يشاؤون على منتجات المزارعين، لقاء عمولة كبيرة يقتطعونها، عدا معاناة المزارعين من نقل محصولهم إلى السوق، وتبعات أجور النقل الكبيرة التي يتحملونها جراء ذلك، ناهيكم عما يتعرض له المزارع من ابتزاز حال لم يباع محصوله من الخضار والفواكه في نفس اليوم، فكساد محصوله لليوم الثاني يخفض من قيمته، بل وقد يفقدها كلية حال التأخر أكثر، ما يدفع بعض تجار الجملة لتسوق المحصول لصالحه الشخصي من المنتج بسعر أقل، ومن ثم بيعه لاحقا بسعر أعلى لتجار المفرق في المحافظة، أو تجار الجملة الذين ينقلون المنتج إلى المحافظات الأخرى، ومثل ذلك يحدث يوميا في مراكز تسويق الجملة للخضار والفواكه.

أما المستهلك فمعاناته أيضا كبيرة، نظرا للفارق الكبير الذي يدفعه، والمتمثل بالربح الكبير الذي يتقاضاه تاجر المفرق إضافة على سعر سوق الجملة للخضار، وكثيرا ما تبين أن سعر المفرق الذي يدفعه المستهلك لكل كيلو خضار أو فواكه يقارب ضعف سعر كيلو الجملة، بل وقد يزيد عن ذلك لدى بعض التجار، ما يبعث الألم الكبير في نفس المنتج والمستهلك معا، فكلاهما يتعرض للابتزاز والخسارة، وهذه المشكلة قائمة منذ عقود، ومطروحة للمعالجة المنصفة؛ وتأوه التاجر من خسائره الكبيرة حال كسدت المادة عنده، في غير مكانه نظرا لندرة حدوث ذلك عند جميع التجار، وحال حدوثه جزئيا، فالربح الكبير المحقق مما تم بيعه  يغطي الخسائر المتحققة مما تم كساده.

إثر التمعن المتأني بمعاناة المنتج والمستهلك، وخاصة في هذه الأيام الحرجة التي يعاني فيها الطرفان معا، وانطلاقا من وجوب إجراء ما يلزم للتخفيف من معاناتهما معا، فقد عملت الجهات المسؤولة في محافظة طرطوس، وبالتنسيق بين الاتحاد العام للفلاحين واتحاد فلاحي طرطوس على توجيه الجمعيات الفلاحية باتجاه تنشيط التسوق فيما بينها، بحيث تهرع كل جمعية لتسوق منتجات الجمعية الأخرى، على أن توزع ما تتسوقه لمواطني قطاعها بنفس الكلفة، ما حقق ارتياحا كبيرا لمئات المنتجين الذين باعوا إنتاجهم على مداخل حقولهم، وعقب الجني مباشرة، أي دون الحاجة لأي نقل أو تخزين، وبسعر أفضل مما كانوا يتوقعون، خلافا للخسائر التي وقع بها معظمهم في المواسم الماضية نتيجة انخفاض السعر عن مجمل الكلفة، ما يوجب عمل الاتحاد العام للفلاحين لأن يؤطر عملية التسوق هذه، ويعيد تفعيل المخازن الاستهلاكية التعاونية التي كانت قائمة في العديد من الجمعيات ومنها المخزن المتميز جدا في جمعية الجروية/ منطقة صافيتا، بل والعمل لاستثمار أموال الجمعيات الفلاحية المجمدة في المصارف الزراعية بفوائد رمزية جدا، لصالح إحداث مخازن استهلاكية تعاونية في أغلب الجمعيات، وتكليفها مسؤولية تسويق مستلزمات المزارع ومنتجاته، بشكل دائم لا بشكل عرضي فقط كما هو الحال الآن.

مدعاة للسرور الكبير أن التسويق الحالي يتم بإشراف واهتمام جميع المعنيين بدءا من المحافظ والمكتب التنفيذي في المحافظة، ومجلس المحافظة، والمجالس المحلية في المدن والبلدان والبلديات وبتعاون ودعم القيادة السياسية ممثلة بفرع حزب البعث العربي الاشتراكي والشعب في المناطق والفرق الحزبية في القرى، فممثلو عشرات الجمعيات الفلاحية الريفية يتجهون يوميا إلى سهول طرطوس لتسوق العديد من المنتجات، ما أثمر عن تخفيف عبء نقل المحصول عن كاهل المنتج والسير وراءه إلى سوق الهال، وضمن له سعرا مناسبا، ومنحه الشعور ببعض الراحة بعد العناء الكبير الذي لاقاه في مرحلة الإنتاج، ما سيشجعه للزراعة التالية، نظرا لما لمسه من تقدير لأتعابه، وكم هي الحاجة الوطنية ماسة جدا لمثل هذا التشجيع، بعد الكثير من حالات الإحباط التي تملكت العديد من المزارعين سابقا، وأخرجت عددا منهم من ميدان الإنتاج، وأصبحت حقولهم بائرة.

وبالتوازي مع نقل قسم من المنتجات الزراعية إلى الريف، فإن شحنها يتم أيضا وبشكل يومي باتجاه المحافظات الأخرى، فمحافظة طرطوس – والمنطقة الساحلية بكاملها – تشكل خزان إنتاج زراعي مهم لجميع القطر، وخاصة الحمضيات والزراعات المحمية المتركزة فيها، ناهيك عن الثروة المائية الكبرى التي تملكها، ما يوجب مزيدا من اهتمام السلطات المعنية، باتجاه تخديم متطلبات الإنتاج الزراعي في هذه المنطقة، إنتاجا وتسويقا، والمسارعة العاجلة لمعالجة الصرف الصحي المتعثر فيها، بغية الحفاظ على مياه نظيفة للإنتاج الزراعي والحيواني، خاصة وأنه مطروح منذ سنوات نقل بعض ماء الساحل إلى الداخل في ظل أزمة المياه العالمية المرتقبة.

من المؤسف أن المنطقة الساحلية وخاصة السهلية تتعرض سنويا لغمر بعض الحقول المزروعة بمياه الأمطار أو لتدميرها بسبب التنين البحري أو بسبب عواصف الرياح، وقد عانت سهول طرطوس خلال هذا العام من الحالات الثلاث معا، وقبل أيام اقتلعت عاصفة رياح عشرات البيوت البلاستيكية ودمرتها ودمرت عتادها ومحصولها، ولكن المزارعين يشكون دائما من ضعف التعويض عليهم أو عدمه،ما يوجب أن تستدرك السلطات المعنية إنصافهم.

عبد اللطيف عباس شعبان.. عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى