الانقلاب يدقّ الأبواب

عبد الكريم النّاعم

يبدو أنّ “الكورونا” لم تستطع حبْس صديق العمر، جزاه الله عنّي كلّ خير، ففي هذا الحصار خسرتُ زيارة بعض الأصدقاء، أحسّ الآن بهذه الخسارة حيث لم يعد أحد يتفقّد أحداً إلاّ للضرورة القصوى، وهذه حالة من الحصار ما أعتقد أنّ البشريّة قد مرّت بها من قبل.

قال صديقي: “الأمر الذي نحن فيه جميعا، أوسع من أيّ سؤال، ولكنْ، ماذا أصنع بهذا الدماغ الذي لا يتوقّف عن طرح الأسئلة، هل ترى كما يقول البعض أنّنا على أبواب انقلاب يشمل العالم”؟!!

قلت له: “يا صديقي، قد تكون آراؤنا مُتقاربة، وأنا من خلال رؤيتي، أرى أنّ فكرة العالم قرية كونيّة قد تحقّق من خلال هذا الوباء، فما من أحد بمنجاة منه، لا كبير ولا صغير، رغم أنّ أمريكا، بمركزيّتها الطّاغوتيّة تشهد في هذه الأيام أكبر انتشار لهذا الفيروس، فإنّ الدولة العميقة فيها، وأصحاب الشركات، وأصحاب عقليّة الربح ثمّ الرّبح،.. لم يبد عليها أيّ تغيّر، فالذي نشأ وترعرع على أنّ الحصول على المال بأيّ ثمن، هو الهدف الأسمى!!، لا يستطيع الذهاب بسهولة إلى المواقع الإنسانية.

تلك نقطة أولى.. النقطة الثانية أنتقل فيها إلى المركزيّة الأوروبيّة، وهي الجناح الثاني، وقد جعلتْه واشنطن مسخَّرا بقدر هائل لصالح رؤاها التي تتقاطع معها في معظم النقاط الحساسة، وحين يحدث افتراق ما، فعلى المركزيّة الأوروبيّة أن تستجيب لرغبة الطاغوت الأمريكي، طاغوت يحكم طاغوتاً آخر.

في كلا المركزيتين أُقيمت أسس واحدة تجمع بينهما، لمزيد من شدّ عرى الاستئثار، ونهب خيرات الآخر، وجهوده، لصالح الشركات العابرة للقارات، ومن أجل تحقيق ذلك، وضمان استمراره، فقد أرسوا بعض القواعد الموصِلَة، ولا أقول إنّها جميعا مرفوضة، ولكنّني أشير إلى السّلب فيها.. أعطوا حريّة الجنس، وهذا أمر يخصّهم، ولكنّه في سياق الحضارات العامّة التي عرفتْها البشريّة لم يكن متعارفاً عليه على الصيغة القائمة في أمريكا وأوروبا، وأعطوا هذه الحريّة “قداسة”، قد لاتصل إليه قداسة “الديمقراطية”، تلك الديمقراطية التي تظلّ، مهما كان لها من الفاعليّة، لا تتجاوز مسألة الإجراء، بمضامينه التي تحفظ لمبدأ: “دعْه يعمل دعْه يمرّ” الحضور الأكثر عمقا، والأكثر نشداناً.

نتج عن ذلك تفكّك الأسرة، ولن أناقش فيما إذا كان ذلك اختيارا صائبا، فله العديد من قابليّات الوجوه، لاسيّما حين نقارنه بما آلت إليه الأسرة في المحيط العربي، بسبب رواشح ما وصلنا من الغرب الذي غالبا ما نأخذ منه أسوأ ما لديه، حتى كأنّنا أعداء أنفسنا،!!

لقد نعتتْ بعض آراء المفكّرين الغربيّين على الماركسيّة أنّها ترى في الاقتصاد محرّكاً أوّلاً، مع إقرارها بمحرّكات أخرى، بينما الغرب يكاد يؤلّه هذا الرأسمال المتوحّش، فكيف له أن يقود العالم إلى ما فيه خير العالم؟!!

لستُ من القائلين بإلغاء وجود الرأسمال، بل بأَنْسنته، وجعله لخير الشرائح الاجتماعيّة كافّة. في كلّ مجتمع لابد من كتلة رأسماليّة ضروريّة للتداول والتبادل، شريطة ألاّ تتحوّل إلى وحش ضارٍ، كما هو الحال في الكتلة المركزية، وكما هو الحال في الكتلة التابعة كما في بلدان العالم الثالث، ولعلّ في تجربة الصين المعاصرة ما يلفت الانتباه بقوّة، فقد جمعتْ بين وجود الرأسمال وتحقيق عدالة اجتماعيّة بقدر ما أتاح لها تعداد سكّانها الهائل، وأرجّح أنّ الذي ساعدها في ذلك أنّها وريثة حضارة عريقة ضاربة الجذور في كلّ ما يتعلّق باحترام إنسانيّة الإنسان، وفي احترام الآخر، وربّما كانت تجربتها، بالتعاون مع رافضي هيمنة المركز المتوحّش،.. تؤهّلها لقيادة حقيقيّة بديلة للمركزية الأوروأمريكيّة، لاسيّما بعد أن سقط الغرب سقوطا أخلاقيّا مفزعا، ولا أمل منه في انتشال نفسه، ما دام مرتبطا بالمحور غير المنظور الذي تقوده أيادٍ سريّة بالغة القذارة، أقولها دون خوف من أن أُرجم بحجارة مقولة “المؤامرة”.. نعم إنّها مؤامرة وما لم يتنبّه إليها العالم فستقوده إلى كارثة التعجيل بإيقاد النار في “هرمجدون” كمقدّمة لظهور السيد المسيح من جديد !!….

aaalnaem@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى