رؤى.. مفهوم الشعر ليس ماهوياً

محمد راتب الحلاق

يظن بعض القراء أن الشعر العربي، بمفهومه الذي نعرفه، كان كذلك دائماً، وأنه وجد مع أدواته وضوابطه دفعة واحدة، منذ أن نبس أحدهم بكلمات فائضة عن الحاجة اليومية. ويجادل هؤلاء قائلين: إن هذه الأدوات والضوابط هي التي تمنح القول هوية الشعر، وهي التي تميزه من كل قول آخر. وينسى هؤلاء الإرهاصات الأولى والمبكرة للشعر.

وأول ما وصلنا من إرهاصات الشعر العربي كان أسجاعاً، ثم تطورت هذه الأسجاع إلى قطع صغيرة تتكون من البيتين والثلاثة الأبيات والأربعة، قالها قائلها على السليقة والفطرة، فلم يكن لأوائل الشعراء العرب إلا الأبيات القليلة، يقولها الرجل (؟؟!!) عند حدوث الحاجة (حسب ابن قتيبة)، إلى أن استوى الكلام وزناً وقافية وسمي شعراً، ثم كتبت القصائد الطويلة، التي استحقت أن تعلق على جدران الكعبة، أقدس مكان عند العرب.

وثمة سؤال يطرح نفسه يقول: هل التخفف من الوزن والقافية، وإقحام المفردات المتداولة في الأحاديث اليومية في نسيج النص الشعري يمثل ردة ونكوصاً إلى البدايات، وإهدارا للتطور الذي عرفته التجربة الشعرية العربية؟! من جهتي، ومع أنني مازلت من المؤمنين بأن الوزن من أهم مستلزمات الشعر العربي، فإنني أرى أن هذا السؤال غير منصف وغير عادل، لأن الشعراء الحداثيين، بمن فيهم شعراء ما يسمى بقصيدة النثر، لا يهدفون إلى التخلص من الوزن والقافية فحسب، وليس هذا هاجسهم الوحيد والأساسي، وإنما يأتي التخفف من الوزن والقافية ضمن رؤية مختلفة للشعر. فالقضية، فيما أحسب، ليست مجرد استدارة الشعر إلى مبتداه، وليست في اعتماد تقنية النبر لإنتاج الإيقاع بدلاً من الوزن، ولا في خرافة الإيقاع الداخلي الملتبسة، القضية، فيما أزعم، أعمق من ذلك، إنها قضية مفهوم آخر للشعر، سواء أكان هذا المفهوم تطوراً داخلياً للشعر العربي كما في حالة الشعر الحر (شعر التفعيلة) الذي يتخفف من شكل البحور الشعرية دون أن يتخلى عن تفعيلاتها، أم كان هذا المفهوم نتيجة الترجمة والمثاقفة مع اللغات الأخرى كما هي حالة ما يسمى بقصيدة النثر.

وبالمناسبة، فإن شعر التفعيلة، أو الشعر الحر (حسب تسمية نازك الملائكة)، قد استطاع أن يحدث نقلة نوعية في مفهوم الشعر العربي، مما جعله يلقى القبول الحسن من النقاد والمتلقين، في حين أخفقت (قصيدة النثر)، إلى الآن على الأقل، في تحقيق أي تقدم يذكر، بل إنها مازالت في حاضنات الإنعاش، بعد ولادة متعثرة. ويعود هذا الإخفاق، فيما أرجح، إلى أمرين اثنين: أولهما قلة المبدعين الحقيقيين الذين تبنوها وحصروا إنتاجهم بأساليبها، وثاني الأمرين سوء فهم معظم كتابها لمفهوم (قصيدة النثر)، كما عبرت عنه (سارة برنارد)، أشهر المنظرين لهذا النمط من الشعر، والذي حددته بالسمات الآتية:

– التكثيف والإيجاز والاكتناز بالمعنى.

– الإشراق والتوهج والإدهاش.

– كتابة الشعر لوجه الشعر، دون الارتهان لموضوعات تقع خارجه.

إضافة إلى سمة أخرى، قد تبدو مفاجئة وغير مرضية لكتبة (قصيدة النثر) تتمثل في كون قصيدة النثر كتبت للقراءة وليس للإلقاء. وأسوأ كتاب (قصيدة النثر) أولئك الذين وقعوا تحت ضغوط البيئة الشعرية العربية، وأرادوا محاكاة الشعر العربي في تقنية الإنشاد والإلقاء، فتحولت نصوصهم إلى أسجاع بليدة، أو إلى قصائد تفعيلة مكسورة الوزن.

إن مفهوم الشعر ليس ثابتاً ولا ماهوياً، يبقى هو هو عبر الزمان، وإنما هو مفهوم تاريخي متطور، لكن تطوره بحدث ببطء يكفي لاستقرار بعض الانتظامات التي تساعد في تمييز الشعر من اللاشعر، وتكون المعيار للحكم على النصوص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى