شجرة “الكينا” ليست “الكينا” الموجودة في سورية.. والاختلاف في الاستخدام والفوائد !

شهدت الآونة الأخيرة إقبالاً كبيراً على محلات العطارة بحثاً عن مكونات لوصفات طبية تقي أو تسهم كما يعتقد البعض بالشفاء من وباء كورونا، وطبعاً لا يمكن إنكار فوائد الأعشاب الطبية وحاجة الأجسام لها ضمن ما يسمى الطب البديل الذي انتعشت أسواقه خلال السنوات الماضية، مع الشكوك بعدم فاعلية المستحضرات الدوائية الموجودة، وغياب الثقة بالمعايير الصناعية المطبقة في الصناعات الدوائية، إلا أن ذلك يبقى ضمن الأطر العلاجية الضيقة، وما يشد الانتباه أكثر التناقض الواضح في طريقة التعاطي مع هذا الواقع، فمثلاً الشريط الإخباري على شاشة التلفزيون الخاص بوباء “كورونا” يحذر وينبه من التعاطي مع الوصفات العشبية كعلاج وقائي من وباء كورونا، وفي الوقت ذاته على الشاشة ذاتها تروج دعاية لإحدى الشركات المنتجة للأعشاب وبطريقة مبطنة لفوائد الأعشاب على الصحة العامة بما يعزز قناعات الناس وبشكل يدعو إلى الاستهتار بتداعيات الوباء وبالإجراءات الوقائية، حيث تكثر اللقاءات والزيارات الاجتماعية التي تحاكي الوباء من بوابة قوة الجهاز المناعي المدعم بمشروبات الأعشاب الطبية وفوائدها التي لا تعد ولا تحصى، وهذه الحقيقة كرستها وقائع الشارع ويومياته المليئة بالأخطاء والتجاوزات لكل الإجراءات المتخذة!.

مثال حي
من الشواهد التي نريد الحديث عنها تلك الوصفة الخاصة بالكينا التي شهدت رواجاً كبيراً في الأيام القليلة الماضية، وقد لاحظنا ذلك من خلال كثرة الطلب على أوراقها من قبل الجيران والأصدقاء نظراً لوجودها في منزلنا، وهذا الإقبال دفعنا للبحث عن حقيقة هذه الشجرة وفوائدها التي ذاع صيتها كما يقال بين الناس، وللحصول على المعلومة الدقيقة تواصلنا مع الدكتورة ميس رزق خازم (دكتوراه في الصيدلة اختصاص عقاقير وكيمياء العقاقير) التي قدمت لنا رأياً علمياً يحسم الجدل الدائر حول هذه الشجرة، ولم تتوان د. خازم عن التأكيد في بداية حديثها على أن ما يشاع عن شجرة الكينا فيه الكثير من المغالطات لجهة المواد الفعالة التي تحويها، إضافة إلى كشفها لحقائق علمية غائبة عن الناس تتعلق بطبيعة المكونات الموجودة والفرق بين ما نسميه مجازاً في بلدنا بشجرة الكينا وشجرة الكينا الحقيقية، ولفتت إلى أنها ستقدم في حديثها شرحاً عن هذه الشجرة وعن الكينين (الأب الروحي للكلوركين) بصورة مبسطة ومختصرة، وبدأت بالتعريف بشجرة الكينا التي تنمو في المناطق   المدارية اسمها العلمي cinchona officinalis  من الفصيلة الفويّة Rubiaceae ولها استخدامات تاريخية شعبية قديمة جداً أهمها القضاء على الحمى الشديدة.

المواد الفعالة
وعن القسم المستعمل من شجرة الكينا أوضحت د. خازم أن لحاء الشجرة (أي القشرة) لا تستخدم مباشرة من النبات بشكل عشوائي وإنما بعد تنقيتها وعزلها من لحاء النبات وتقديمها كشكل صيدلاني، بمعنى أنه الجزء من النبات الذي يحوي التركيز الأعلى من المواد الفعالة، وهما مادتا الكينين (تم عزلها عام ١٨٢٠ لأول مرة)، والكينيدين (مماكب فراغي للكينين)، وأوضحت لنا د. خازم معنى المماكب بالكيمياء (المادتان لهما الصيغة الكيمائية نفسها ولكن بتوضع فراغي مختلف)، وتابعت: يشتق منه كيميائياً مادة الكلوركين والهيدروكسي كلوركين التي تنصح بعض البروتوكولات الطبية باستخدامها لعلاج الكورونا، وبينت الاستخدامات الطبية المثبتة لهذين المركبين، حيث يستخدم الكينين بوصفه علاجاً للملاريا، وهو موجود، WHO_Model_List_of_Essential_medicineوهي قائمة الأدوية الأساسية المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية، وبالنسبة لمركب الكيندين فهو يستخدم لعلاج اضطراب النظم القلبية.
وعن العلاقة ما بين الكينين والكلوروكين أكدت أن الكلوركين مشابه صنعي لمركب الكينين (أي أن الهيكل الكيميائي مستوحى منه)، علماً أن الكلوروكين يستخدم أيضاً لعلاج الملاريا.

حقيقة غائبة
وعند سؤالنا: هل يوجد شجر كينا في سورية؟ لم تتردد د . خازم في التأكيد على أن هذه الشجرة المدارية لا تنمو أبداً في سورية (اللهم إلا بتوفير شروط خاصة ومثالية لزراعتها)، وأضافت: الشجر الذي يطلق عليه شعبياً شجر الكينا في بلدنا هو شجر الأوكاليبتوس، ولا يحوي كينين ولا كيندين ولا كلوروكين، ويستخدم من هذا الشجر الزيت العطري للأوراق بوضعها في ماء مغلي، واستنشاق البخار الناتج، وهو مفيد لعلاج الأعراض المرافقة لبعض المشاكل التنفسية، ولكنه لا يعالج الكورونا وليس له أي دور في الوقاية من الإصابة.

تجارة نشطة
لا شك أن الإقبال الكبير على الأعشاب خلق حالة من الانتعاش التجاري في محلات العطارة التي تشهد ازدحاماً كبيراً، حيث أكد لنا بعض أصحاب المحلات ذلك وأشاروا إلى أنهم يصححون الكثير من المعلومات والوصفات الخاطئة للناس الذين يحاولون حماية أنفسهم من خلال خلطات عشبية تعرفوا عليها من صفحات الفيس أو من المواقع المختلفة دون التأكد من جدواها، ونبهوا إلى أنه رغم التحذير من مخاطر تناول الحلويات “السكريات” كونها تساعد الفايروس، إلا أن الملاحظ هو الإقبال الكبير على شراء مواد صناعة هذه الحلويات في المنازل.
بالمختصر لا يمكن إنكار أهمية تناول الأعشاب الطبية المعروفة ولكن بشرط الالتزام بالإجراءات الوقائية، وعدم الاجتهاد في صناعة وصفات علاجية أو تحييد الأدوية، ومراجعة المراكز الصحية والأطباء عند الاشتباه بأية أعراض وبائية.

بشير فرزان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى