ترامب رئيس آخر يتعامل مع كابوس جيوسياسي قديم ..

إعداد: عناية ناصر

في ظل إدارة دونالد ترامب، عادت الجيوسياسية وبقوة ، فبالنسبة له لدى الولايات المتحدة أعداء وتحالفات قائمة على المصالح، وحتى في رؤيته للعالم – التي أوضحها بشكل منهجي أكثر من المعتاد في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2017 – وعد ترامب بأنه سيضمن انتصار الولايات المتحدة على تلك القوى العظمى المنافسة والقضاء على الهيمنة المحتملة لقوى إقليمية مثل إيران.

هذا الوضع – تجدد الصراع الجيوسياسي- كان مخيفاً بالنسبة للعديد من الأوروبيين، ففي مقابلة أجراها العام الماضي مع مجلة الإيكونومست ، أبدى إيمانويل ماكرون شعوره بالقلق من أن يترك تعامل أمريكا الاستراتيجي مع أوروبا تحت رحمة صراع ثنائي القطب بين واشنطن وبكين، لأن أي شيء يقرره ترامب بشكل تعسفي ، بغض النظر عن الناتو، سينعكس على الشرق الأوسط. ولعل الأسوأ من ذلك هو أن أساس لغة الجيوسياسية ذاتها تمثل هزيمة للفكرة الخيالية للاتحاد الأوروبي – السلام على أساس القيم المشتركة وليس على القوة العسكرية- باعتبارها نظاماً سياسياً يتم عبرها تجاوز الجغرافيا والتاريخ.

في الحقيقة ، لم تختف الجيوسياسة أبداً ، حتى في التسعينيات ، عندما ساد الخطاب حول نظام عالمي ناشئ، وحول العولمة. صحيح أن  بيل كلينتون تحدث عن ترك “السياسة الإقليمية للقوة العظمى” في القرن العشرين وراء “مسيرة ” الحرية، لكنه في الحقيقة لم يتخل عن فكرة التنافس على الطاقة بعد اكتشافات النفط والغاز في بحر قزوين. وحتى بالنسبة لإدارة كلينتون، كانت الطريقة التي ينبغي بها نقل موارد الطاقة هذه إلى أوروبا أكثر من مجرد مسألة تجارة عالمية ، ما يعني أن الطاقة أساسية بالنسبة للجيوسياسة، وقد يكون ذلك بسبب تمركز النفط والغاز في موقع جغرافي معين. وبالفعل منذ سبعة عقود على الأقل ، كان أمن الطاقة في الخليج العربي سبباً لجعله حقل ألغام جيوسياسي، خاصةً أنه يمر حوالي ثلث النفط المنقول عن طريق البحر عبر مضيق هرمز ، وهو الجزء الضيق من المياه في الخليج المؤدي إلى المحيط الهندي.

لذلك فإن مفهوم الحرب الباردة لم ينته واقعياً بدليل أنه عندما تم تشكيل التحالف متعدد الجنسيات تحت سلطة الأمم المتحدة  بذريعة إجبار صدام حسين على الانسحاب من الكويت لم تكن بداية حقبة سياسية دولية جديدة، لأن جورج بوش الأب برر صراحة الحرب العراقية الأولى كضرورة جيو سياسية خلقتها الطاقة. وقال في خطاب متلفز في المكتب البيضاوي إن الولايات المتحدة استوردت ما يقرب من نصف النفط الذي تستهلكه، مما يجعل استقلال السعودية مصلحة أمريكية إستراتيجية يجب الدفاع عنها بالقوة العسكرية.

هذا الالتزام العسكري المطول حقيقةً يعكس عقيدة كارتر، التي صيغت لأول مرة بعد أن أنهت الثورة الإيرانية الاعتماد الأمريكي على إيران، إذ أكدت تلك العقيدة على أن أي محاولة للسيطرة على الخليج ستعامل “كاعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة”.

اليوم مع وجود ترامب في السلطة، ارتفعت المخاطر العسكرية فالرجل كثيراً ما يتحدث ويغرد كما لو أن العالم قد تغير بالفعل، وأنه يمكن للولايات المتحدة ، بفضل نفط الصخر الزيتي ، أن تبتعد عن عقيدة كارتر، لكن هذه الأماني ليست إلاّ أوهاماً فالطاقة تؤكد الاستمرارية الجيوسياسية. وبناء عليه، فإن ترامب مجرد رئيس أمريكي آخر يتعامل مع كابوس جيوسياسي قديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *