ما بعد كورونا

محمد كنايسي

في ظل نقص، كي لا أقول انعدام الدراسات الاستشرافية الرصينة عن الوضع العالمي بعد كورونا، يصعب الخوض في هذا الموضوع الشائك إلا على سبيل التكهن، كما يفعل الكثير من الاعلاميين وحتى المفكرين.

ومع ذلك فثمة شبه إجماع يبدو منطقياً ومقنعاً على أن ما بعد كورونا ليس كما قبله، غير أن هذا لا يجيب عن السؤال: “كيف سيكون العالم بعد كورونا؟”، بقدر ما يجعله سؤالا مغريا وملحاً.

وعن هذا السؤال يصعب أن نجد إجابة قاطعة وشافية، لأن الأمر يتعلق بالمستقبل من جهة، ولأن ثمة روايات عدة ومتناقضة في تفسير ظهور الفيروس، وكل واحدة من هذه الروايات تصلح أساساً لقراءة المستقبل قراءةً مختلفةً.

لكننا يمكن أن نلاحظ في هذا المجال اتجاهين عامين يميل أحدهما إلى تضخيم تداعيات الجائحة وآثارها إلى حد القول بأن العالم سيشهد بعدها تغيرات دراماتيكية تقلبه رأساً على عقب، بينما يميل الاتجاه الثاني إلى التقليل من شأن هذه التغيرات المزعومة وقدرتها على إحداث انقلاب جوهري في النظام العالمي السائد.. وما يزيد من صعوبة تصور الوضع العالمي بعد كورونا هو أن هذه الأزمة مركبة وذات أبعاد متعددة، سياسية واقتصادية وصحية وفكرية وأخلاقية.. إلخ، وكل هذا يتطلب توخي أكثر ما يمكن من الحذر وتوخي أكثر ما يمكن من الموضوعية إذا أردنا أن نتحدث عما سيكون عليه العالم بعد الفيروس.

بعض الأسئلة التي تهمنا نحن العرب، الذين نعاني حالة من التشرذم، وصلت في السنوات الأخيرة إلى حد الحروب التدميرية الطاحنة، وهي : ما مصير العولمة؟ وهل سيتفكك الاتحاد الأوروبي؟ وهل سيشهد العالم بروز تحالفات جديدة؟.. وغيرها من الأسئلة.

واذا افترضنا أن من الغباء الحديث عن نهاية العولمة لأنها تجسد في بعض أهم جوانبها ملامح وسمات الحياة المعاصرة، أفلا يحق لنا، رغم ذلك، الحديث عن أنسنة هذه العولمة وتحويلها إلى نظام في خدمة الانسانية، وعدم إبقائها كوسيلة لخدمة المصالح النيوليبرالية المتوحشة؟

واذا افترضنا أيضا أن بعض الدول الأوروبية، التي تركت وحيدةً لمصيرها القاتم في مواجهة الجائحة، وخصوصاً إيطاليا، قد تصل إلى درجة التفكير في الانسحاب من الاتحاد الذي تخلى عنها في هذه المحنة، فهل يعني ذلك أنها تستطيع الإقدام على هذه الخطوة؟ وهل يسمح لها وضعها السياسي والاقتصادي، وحتى التاريخي والجغرافي، بذلك؟ ألا تتطلب هذه الأزمة التي أظهرت إفلاساً أخلاقياً أوروبياً بلا حدود مراجعة نقدية جذرية لوضع الاتحاد، وإجراء الإصلاحات اللازمة الكفيلة بحل تناقضاته الداخلية، ومعالجة نقاط ضعفه؟

ألا يبدو هذا هو الاحتمال الأكثر واقعية..؟

أما عن التحالفات العالمية فليس من المحتمل أن تتغير خارطتها كثيرا،ً لكن استقطاباتها في المرحلة القادمة ستكون على أشدها، وستصل المواجهة الأساسية، بين قوى العدوان والهيمنة بقيادة الولايات المتحدة وبين القوى الرافضة والمتصدية لهذا النهج، إلى أقصى أشكالها السياسية والاقتصادية، وربما العسكرية أيضاً.. فماذا سنتعلم نحن العرب من هذه الأزمة؟ وأين سيكون موقعنا في المستقبل، ما دمنا حتى الآن نعاني الفشل تلو الفشل على الصعيد القطري، كما على الصعيد القومي..؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *