كيف أغرق اللوبي المؤيد لـ “إسرائيل” اليسار البريطاني؟!

إعداد: هيفاء علي

اتُهم المخرج السينمائي كين لوتش، وزعيم المعارضة البريطانية جيريمي كوربين بمعاداة السامية، لكن الحقيقية هي غير ذلك. من جانبه، أمضى كين لوتش، أحد أكثر صانعي الأفلام إثارة للإعجاب في بريطانيا، أكثر من نصف قرن في تصوير محنة الفقراء والضعفاء، وغالباً ما أبرزت أفلامه اللامبالاة وعداء الدولة للناس العاديين عبر ممارستها السلطة المطلقة عليهم.

وجد لوتش نفسه الشهر الماضي مجردا من أحد أفلامه الخاصة، واتُهم زوراً بالعنصرية وأُجبر على التخلي عن مقعده في لجنة تحكيم  في مسابقة مدرسية لمكافحة العنصرية ، دون أن يكون قادراً على الدفاع عن نفسه.

صوت المستضعفين

تثبت حياة لوتش وعمله بالكامل أنه ليس عنصرياً ، بل إنه يقف دائماً مع الضعفاء والمظلومين، ففي أفلامه روى بشجاعة بعضا من أفظع حلقات القمع الوحشي للدولة البريطانية في أيرلندا ، وكذلك الصراعات التاريخية ضد الفاشية في أجزاء أخرى من العالم ، من إسبانيا إلى نيكاراغوا.

وقبل كل شيء، ركز انتقاداته على المعاملة السيئة التي تمارسها بريطانيا العظمى تجاه الفقراء والأقليات واللاجئين. وفي فيلمه الأخير  “دانيال بلاك” ، ركز على عدم حساسية البيروقراطية الحكومية في تطبيقها لسياسات التقشف ، في حين وصف في  فيلمه الآخر “آسف لقد اشتقنا لك” ، الذي صدر هذا العام ، عدم استقرار القوى العاملة بموجب عقود “ساعة الصفر” والتي تجد نفسها مجبرة على الاختيار بين الحاجة إلى العمل ومسؤوليتها تجاه أسرها.

اللوبي الأمريكي على الطراز الإسرائيلي

كان مجلس “النواب اليهود” البريطانيين، و”حركة العمل اليهودية” – منظمتان يعرفهما الكثير من اليساريين جيداً – يشنان حملات ضد لوتش، وسبق لهما المناورة داخل وخارج حزب العمال لتشويه سمعة جيريمي كوربين الذي استقال بعد خسارته في الانتخابات العامة التي جرت في كانون الأول الماضي لصالح حزب المحافظين الحاكم ليحل محله كير ستارمرر ، مسؤول بريكست السابق. كانت حركة “العمل اليهودية” قد أدارت حملةً قوية سرية لإسقاط جيرمي كوربين، في حين يدعي مجلس النواب زوراً أنها تمثل الجالية اليهودية في بريطانيا.

وكما فعلتا مع لوتش، اتهمت المنظمتان كوربين بأنه معاد للسامية وأطلقوا على حزب العمال “معاداة السامية مؤسسياً” وسرعان ما تبنت وسائل الإعلام هذه الاتهامات الباطلة دون توفر أي دليل لديها.

وسبب حملات التشويه ضدهما ليس سرا،  فلدى لوتش وكوربين تاريخ طويل من الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ، في الوقت الذي تكثف فيه “إسرائيل” جهودها لتدمير أي أمل في أن يحصل الفلسطينيون على دولة أو حق تقرير المصير.

وفي الأعوام الأخيرة، تبنى مجلس النواب والحركة العمالية اليهودية في بريطانيا تكتيكات جماعات الضغط الأمريكية لإسكات انتقادات “إسرائيل” في المجال العام كلما تصاعدت الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وكلما ازدادت المطالبة بالعدالة للفلسطينيين.

ولهذا تظهر معاملة كين لوتش أن سلاح معاداة السامية لا يمكن التخلي عنه، وأنه سيستمر استخدامه ضد منتقدي “إسرائيل” في كل زمان ومكان. إنه كالسيف المسلط على رقاب زعماء حزب العمال المستقبليين، لإجبارهم على طرد أعضاء الحزب الذين يصرون على شجب الانتهاكات الإسرائيلية الكثيفة والمتواصلة ضد الشعب الفلسطيني ، أو الدور المخرب الذي تلعبه مجموعات الضغط المؤيدة لـ “إسرائيل” مثل المجلس وحركة التحرير والعدالة.

كان لوتش شخصية عامة يرى أنه من واجبه التعامل مع الناس العاديين الذين يحتاجون إلى المساعدة، لذلك إن ما يسمى بـ “مخاوف” المجلس والحركة العمالية اليهودية فيما يتعلق بـ لوتش لا ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، لأن معارضتهم تأتي من خلاف جوهري أكثر بكثير حول ما يمكن وما لا يمكن قوله عن “إسرائيل”.

خطاب منحرف

تسلط هجمات اللوبي اليهودي هذه الضوء على الخطاب المنحرف الذي تم تطويره عن قصد حول معاداة السامية في الحياة العامة البريطانية، فقد طالب مجلس النواب من خلال “التزاماته العشرة” جميع قادة حزب العمال المستقبليين بعدم تبني نفس الخطاب الشرير تجاه “إسرائيل” أو أنهم سيواجهون مصير كوربين، وليس من قبيل المصادفة أن قضية لوتش شبيهة بالتي تعرض لها كوربين. فكلاهما من بين الشخصيات العامة القليلة التي كرست، على مدى عقود عديدة، وقتها وطاقتها للدفاع عن الضعيف ضد القوي، والدفاع عن أولئك الذين ليس لديهم من يدافع عنهم. وكلاهما من جيل النشطاء السياسيين والمثقفين المدافعين عن الفقراء والهوية و الثقافة، هما كل ما تبقى من اليسار البريطاني. وكلاهما استمرار لنضالات والديهما ضد الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي التي أنجبت، في أواخر الأربعينيات خدمة صحية وطنية مكنت جميع سكان المملكة المتحدة من الحصول على الرعاية الصحية لأول مرة. وأخيراً كانا في طليعة آخر تعبئة سياسية جماهيرية كبيرة ضد الأكاذيب الرسمية التي بررت الحرب العدوانية الأمريكية البريطانية على العراق عام 2003.

لذلك إن الهدف الرئيسي لتشويه تاريخ لوتش وكوربين من خلال اتهامهما بمعاداة السامية هي وقوفهما إلى جانب الفقراء والمستضعفين، وهو نفس الهدف الذي تم تطويره على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي لإسكات بيرني ساندرز في أمريكا، أي أن الهدف العام هو إقصاء جميع النشطاء المناهضين للسياسات الإسرائيلية وتبعاتها الكارثية.

وهناك أهداف أخرى أكثر عمقاً هي أن مجلس النواب وحركة العمل اليهودية يستخدمان أساليبهما السياسية للوصول إلى المستويات العليا في بريطانيا من أجل الضغط لصالح “إسرائيل”. هذا القول ليس مبالغة فقد ندد مجلس النواب والحركة العمالية اليهودية بسياسة حزب العمال لمعاداته السامية، في المقابل حصل اليمين المتطرف على الضوء الأخضر لتعزيز القومية والعنصرية البيضاء تجاه الأقليات، و لم تتجاهل هاتان المنظمتان صعود اليمين القومي فقط – الذي أصبح الآن جزءاً من الحكومة البريطانية – بل التزموا به. حتى أن قادة المجلس، بما في ذلك الحاخام إفرايم ميرايس الذي وصف كوربين معادياً للسامية علانية قبل أيام قليلة من الانتخابات العامة في العام الماضي، لم يفعلوا الكثير لإخفاء دعمهم للحكومة المحافظة وللحزب، ورئيس الوزراء بوريس جونسون.

من هنا إن هدف مجلس النواب والحركة العمالية اليهودية هو دمج اللوبي الإسرائيلي في المؤسسة البريطانية، خاصةً أنه نادراً ما تتم مناقشة مكانة “إسرائيل” المركزية في مصفوفة السلطة البريطانية. لذلك  إن شخصيات مثل لوتش وكوربين – من قدامى محاربي الصراع الطبقي الذين ناضلوا منذ عقود لبناء مجتمع أفضل – يتم التضحية بهم الآن لإرضاء اللوبي اليهودي، لكن إذا استمر هذا الانحراف في الخطاب الديمقراطي ، فسوف يُحكم على المجتمع البريطاني بالانقسام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى