قصص وحكايا شهرزاد في ليالي بغداد

ها هو التاريخ ما زال يوثق في صفحاته المزدانة بالمفاجآت والعبر مسيرة الإبداع الحضاري والإنساني للشعوب، في ذكريات شاخصة تحكي للأجيال حكايا وعبر من قام بصنع الحياة رغم قساوتها، وخاصة لمن يتعامل معها في ظروف الزمن المختلفة، وما تجدر الإشارة إليه أن بغداد في العصر العباسي أصبحت منارة للعلم والعلماء وأعظم مراكز الفن والعلم والأدب على مدى التاريخ، وأدى ذلك إلى أن يحتفل بها التراث الشعبي، وأن نجد ذكرها في هذا التراث على اختلاف مجالاته، والدارسون المختصون استطاعوا وهم يحلّلون (ألف ليلة وليلة) أن يجدوا القصاص الشعبي يتخذ من هارون الرشيد بطلاً ممتازاً يتجاوز التاريخي إلى الخيال الشعبي. شهرزاد امرأة صنعت لنفسها سمعة طيبة استطاعت بحكمتها وصبرها اللامتناهي أن تنسج في حياتها قصة أسطورية خارقة تناقلتها الأجيال في حضارات العالم جيلاً بعد جيل، وخاصة زواجها القاسي من الملك شهريار الذي كان يقتل كل ليلة امرأة يتزوجها ولم تسلم منه أية زوجة في حياته، وهو يتذكر الخيانة الزوجية أو شكوكه المجتمعية، أو الشعور بالنقص، أو الاستبداد بالسلطة، إلى غير ذلك من المسميات التي يمتلكها هذا الملك .

والسؤال هو: كيف عالجت هذه المرأة الأسطورية، شهرزاد، الحالة النفسية والاجتماعية لهذا الملك شهريار؟ من يقرأ حياة هذه المرأة يشعر أنها تملك القدرة الخارقة على معالجة الأحداث الجارية، رغم أنها ابنة وزير ولها أخت واحدة هي ودينازاد، وعندما عجز الملك شهريار عن قتله للزوجات، كانت شهرزاد هي المرشحة الوحيدة له فلا قانون يمنعه من زواجه منها؛ وكما وصفها الكتّاب والمؤرخون الذين عاشوا تلك الحقبة الزمنية، أو عند تأليف كتاب (ألف ليلة وليلة) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في العصر العباسي، فقد كانت امرأة قوية العزيمة وشجاعة، تملك صبراً غير متناه، فقد قبلت أن تتزوج الملك شهريار رغم إجرامه الموغل بقتل الزوجات في ليلة واحدة، لكنها استطاعت بحكمتها ودهائها الخارق ولباقة كلامها، وذكائها، وسلاسة التشويق أن تلعب دوراً كبيراً في ترويض نفسية شهريار وغروره، فكانت الليلة الأولى من زواجها بداية القصة الأسطورية التي تعاطفت فيها مع الملك شهريار، بأسلوب الحب، ثم قسمت قصصها وفق ما يراه الموقف من قبول الملك أو رفضه، وكل ليلة تخرج بأسلوب قصصي كالتشويق مثلاً أو العطف، أو مساعدة الفقراء والمساكين، وهكذا كانت حكايتها متسلسلة، ما جعلها “مؤلفة وقاصة” في نظر الملك شهريار، لكونها تقصّ القصص بأسلوب سلس وبأجزاء مترابطة، مع العلم أن قصصها المتنوعة تتوقف عند التشويق، حتى يبقى شهريار متلهفاً لها في الليلة القادمة، كل شيء جميل في قصصها المنوعة حتى أن الملك حيا أسلوبها في طرح الآراء، لقد أحبها الملك شهريار، وهو سرّ بقائها معه، واختارها ملكة، وبذلك أصبح هذا الملك بعيداً عن سفك دماء النساء بفضل الملكة شهرزاد، وبفضل قصصها المحورية التي أبعدته عن الشر والشكوك بالحياة الزوجية.

تعتبر قصص وسرديات شهرزاد أمام الملك شهريار والتي تضمنها كتاب (ألف ليلة وليلة)، واحدة من أهم إيجابيات التراث العربي والأدب العربي لما تمثله من مصدر حياتي واقعي، ولما تحتويه أيضاً من أشعار ومن حكايات وقصص تعرفنا بالتاريخ القديم وبالعادات التي كان لها أكبر الأثر اجتماعياً وثقافياً وعلمياً، إذ أنه يندر أن نجد مجموعة من الحكايات الغريبة المختلفة في كتاب واحد، فهي تتناول أخبار الملوك وأبنائهم والوزراء والولاة والإنس والجن والسلاطين وأبناء الرعية، والإنسان والحيوان، اللصوص والقتلة والمحتالين ورجال الدين والدنيا، من شعراء وفقهاء وعلماء وأطباء إلى تجار وصنّاع، من شيوخ وعجائز إلى فتيان وفتيات، من سفهاء إلى عقلاء، من محبين مغرمين إلى أعداء ألداء، ومن أمراء متحكمين إلى رعية تتألف من ألف لون.

وإذا جاز لنا القول إن أخبار شهرزاد وشهريار وردت في كتاب (ألف ليلة وليلة) الذي كتبته وأعادت كتابته مجموعة من الكتّاب العرب والأجانب، فإن ما يستطيع القارئ استنتاجه أن هذا الكتاب وردت فيه مفاجآت عدة بعضها قريبة للواقع والبعض الآخر بعيدة عن الواقع، وخاصة في عهد المأمون، فالحياة الاجتماعية والسياسية كانت مضطربة، والمواطن وخاصة المثقف لا يستطيع أن يعبّر عن آرائه وينتقد السلطة وجهاً لوجه، فكان التعبير عن طريق شخوص أسطورية وقصص خيالية تذكر الحكام آنذاك بأن هناك حاجة يفتقر إليها المجتمع في تلك الفترة. وعلى هذا الأساس كان كتاب (ألف ليلة وليلة) الذي أُنيطت بطولاته إلى شهرزاد وشهريار تعبيراً عن الألم وحاجات المجتمع بصورة ليست بالمباشرة، أما الحقيقة التي تمّ اكتشافها في هذا الكتاب فهي أن هناك بعض الكتّاب من غير العرب الذين شاركوا في تأليفه قد أساؤوا للعادات والتقاليد والحضارة العربية، حينما أوردت شهرزاد في قصصها عن معاملة الإنسان العربي للمرأة معاملة قاسية، ووصفها الفقر والجشع والجواري بما لا يتفق وحضارة العباسيين ومجدهم التليد خلال فترة حكمهم، وعلى كل حال فإن قصص وحكايا شهرزاد كانت دليلاً بارزاً في معالجة قضايا الثقافة والعلم والمجتمع، وكانت رافداً من روافد التقدم الحضاري في العصر العباسي.

 

د. رحيم هادي الشمخي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى