جيفري.. متحدّثاً!!

أحمد حسن 

دون أدنى شك، هو عالم الفوضى المعممة عمداً وعن سابق إصرار وترصّد، والأمثلة عديدة. بيد أن مبعوث الدولة الأعظم عالمياً إلى سورية “جيمس جيفري” اختزلها كلها في لقاء واحد مع صحيفة “عربية”!

مندوب ترامب لتحقيق السلام في سورية – على ما يعرّف وعلى ما يوحي لقبه المهيب – وبعد أن أكّد على دعم بلاده “الدبلوماسي واللوجستي” للعدوان “الإسرائيلي” المستمر على سورية، أصرّ – وهو المكلّف بحماية الشعب ومساندته في تحقيق مطالبه وزيادة رفاهيته! – على الاستمرار بنهب النفط السوري مستعيناً بذرائع لم يسمع بها كتّاب وثائق الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي، وبالحجج ذاتها بررّ استمرار العقوبات الاقتصادية الخانقة على لقمة عيش الشعب السوري ودوائه، رغم التبعات المرهقة للوباء الجديد على العالم كله، فتلك في نظره، ونظر قيادته في واشنطن، مجرد ذريعة واهية تُستخدم لفائدة الدولة السورية، منكراً ما قالته التقارير الدولية المحايدة، وأقرّته الوقائع، بأن هذه العقوبات – غير الشرعية أصلاً – تستهدف تحديداً المواطن السوري العادي، ومتجاهلاً – بكل صلف – جميع المناشدات والتقارير الأممية التي تطالب برفعها عن جميع الدول في هذا الظرف الوبائي العالمي الصعب.

وعلى عادة المبعوثين الأمريكيين إلى منطقتنا، يبدو الرجل أكثر من مبعوث خاص لقضية محدّدة وبلد محدّد ليصبح مندوباً سامياً، وسامّاً، على الدول العربية بأجمعها، فهو يحدّد لها مسار علاقتها بسورية، معتبراً، في فرمان علني، أن محاولة إعادة التواصل مع دمشق “فكرة مجنونة” بغض النظر عن منطلقاتها ودوافعها.

من كان هذا شأنه لن نستغرب منه – بعد لازمة احترام وحدة الأراضي السورية – أن يؤكّد بكل فظاظة أن “الأقاليم والأراضي” غير الخاضعة لسيطرة دمشق لن ترجع مرة أخرى تحت سيطرتها “بسبب القوى الخارجية الكبيرة والنافذة على الأرض، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية”..!!، وأكثر من ذلك فهو – وبعد لازمة جديدة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها – يحدّد، بنفسه، متى وكيف تكون الانتخابات السورية – المحدّدة بمواعيد دستورية ثابتة ودوريّة – شرعية ومتى لا تكون كذلك، وهذا، ضمناً، تحديد فعلي لمستقبل الدولة السورية، وشكل نظامها السياسي وتوجّهاته الاقتصادية، وطبيعة علاقاتها الخارجية.. إنه، من فرط حبه للشعب السوري، لا يريد منه من الانشغال بهذه المعضلات، فتلك مهمة جيفري التي لن يفرّط بها لأحد.

منطقياً، يبدو كلامه متهافتاً لا قيمة قانونية أو أخلاقية له. عملياً، وفي ظل شرعة الغاب الدولية التي يعيش كوكبنا بظلها، هذا كلام واع من شخص مسؤول يكاد أن يعلن نفسه دون مواربة ممثّلاً لدولة احتلال كامل وناجز، ما يعني أن التصحيح الوحيد المطلوب في “المقابلة” هو الغاء تسمية المبعوث الخاص، لتصبح المندوب السامي، وحينها تستقيم الأمور عارية على حقيقتها الأولى دون فصام ضار ومزعج للجميع.

والحال فإن جيفري – العزيز – يبدو الأنسب للتعبير عن سياسة “المقاول ترامب” الذي لا يقف أمام “تجارته” شيء، لا أخلاق ولا إنسان. العراق مثلاً هو ضحيته القادمة، فلكي تدوم سيطرته هناك في ظل محاولات حثيثة لتشكيل حكومة جديدة على وقع الطلب البرلماني منه بالخروج من أرض الرافدين، ها هو يستنهض خلايا “داعش” من سباتها، غير العميق، ثم يرفدها بأشقائها الذين يستقبلهم في سجون خاضعة له، ولحلفائه، في سورية، مستعيناً لإخراجهم بتمثيلة العصيان المتكرّرة والمملة، ثمّ تنقلهم الشاحنات المحميّة إلى العراق ليكونوا، كعادتهم، “بعبعه” المطيع.

إذن، جيفري صوت سيده، فليس هناك، فيما يقوله، إلا التناقض بين العبارة والأخرى، وحتى داخل العبارة ذاتها. لكنه تناقض – على غرار تناقضات ترامب – خطر ومخيف، خاصة وأن هذا الأخير يحاول جاهداً تفادي خسارة رصيده الانتخابي بسبب تناقضاته المضحكة والخطيرة في الآن ذاته مع كورونا، وذلك – بالإضافة إلى المتطلبات الإمبراطورية لـ “المؤسسة” الأمريكية – سيكون دافعاً لما سيحدث لاحقاً، سلباً أم ايجاباً، بدءاً من منطقتنا، ونحن جزء عضوي فيها، وصولاً إلى العالم الذي يقف على حافة حرب، باردة أولاً، تشعلها واشنطن ضد الصين.. وعلى نتيجتها سيتوقف الكثير!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *