استهداف صغار المساهمين

تلقّى صغار المساهمين في المصارف الخاصة ضربة من العيار الثقيل.. الضربة كانت مفاجأة، بل صدمة، لم يتوقعها المساهمون الصغار، وقد أتتهم من المصرف المركزي، أي الجهة الموكلة بحمايتهم من حيتان المال!

الضربة تجسّدت بتعميم صدر عن “المركزي” يطلب فيه من المصارف الخاصة “عدم توزيع أية أرباح نقدية على المساهمين من الأرباح المحققة عن عام 2019”!!

ومع أن التعميم وضع المصارف الخاصة أمام خيارين: إما تدوير الأرباح وإما توزيعها كأسهم مجانية على المساهمين، فإنه تجاهل صغار المساهمين وألزمهم بعدم “قبض” الأرباح المستحقة.. فلماذا؟

يزعم المصرف أن الهدف من تأجيل صرف أرباح صغار المساهمين أو تحويلها إلى أسهم هو “تعزيز متانة المصارف الخاصة من خلال تعزيز أموالها الخاصة، وزيادة قدرتها في مواجهة التحديات والمخاطر المالية والاقتصادية، ورفع قدرتها على الاستمرار في دعم وتمويل القطاعات الاقتصادية التي تأثّر نشاطها نتيجة لفيروس كورونا”!

ماذا نفهم من مضمون تعميم المصرف المركزي الذي استهدف صغار المساهمين بالمصارف الخاصة؟

لا يوجد سوى تفسير واحد: على صغار المساهمين تحمّل أعباء تأجيل المصارف لأقساط القروض للقطاعات الاقتصادية التي تأثّر نشاطها نتيجة لفيروس كورونا من جهة، وتعزيز المتانة المالية للمصارف الخاصة من جهة أخرى.

وبما أن أثار الفيروس استفحلت في عام 2020، فمن المؤكد صدور تعميم جديد من “المركزي” في العام القادم يطلب فيه أيضاً من المصارف الخاصة عدم توزيع الأرباح المستحقة عن العام الحالي.. هذا إذا لم تزعم هذه المصارف أنها تعرضت لخسائر جسيمة.

حسناً.. إذا كان المصرف المركزي حريصاً على المتانة المالية للمصارف الخاصة، فلماذا يستهدف صغار المساهمين وليس حيتان المال أو المؤسّسين الكبار للمصارف الخاصة؟

في عام 2015، وفي ذروة الحرب الإرهابية على سورية، صدر تقرير خطير جداً عن اتحاد العمال يؤكد فيه أن المصارف الخاصة أودعت 350 مليار ليرة بالقطع الأجنبي لدى المصارف الخارجية دون إذن من الحكومة أو من المصرف المركزي، وهذا المبلغ كان يساوي 50% من موجوداتها النقدية آنذاك!

وبما أن الوضع الأمني أصبح مستقراً على معظم الأراضي السورية، وبما أن المتانة المالية للمصارف الخاصة “في خطر” إلى حدّ عدم توزيع الأرباح على صغار المساهمين، فلماذا لا يصدر المصرف المركزي تعميماً يطلب فيه من كبار المساهمين إعادة الأموال التي أودعوها في المصارف الخارجية، والتي قد يكون الجزء الأكبر منها يعود للمساهمين؟ بل لماذا لم يُحاسب من هرّب أموال المصارف وتسبّب بفعلته بتدهور سعر صرف الليرة السورية؟!

ولنفترض بأن مؤسّسي المصارف الخاصة غير قادرين على إعادة أموالهم وأموال المساهمين إلى سورية، فلماذا لا يقوم المصرف المركزي – الحريص على متانة المصارف الخاصة من جيوب صغار المساهمين – بإلزام كبار المؤسسين على إعادة القروض الضخمة التي استجروها من مصارفهم؟

نعم.. لقد أقرضت بعض المصارف الخاصة عدداً من أعضاء مجالس إداراتها في بداية تأسيسها مبالغ تصل إلى أكثر من 200% من حصتهم في رأسمال المصرف المساهمين فيه، وكأنّ هذه المصارف تأسست لاستجرار سيولة المساهمين والمودعين فقط.

السؤال المهم الآن: ماذا فعل كبار المساهمين بالقروض التي استجروها من “مصارفهم” على اسم شركات قاموا بتأسيسها على الورق؟ والسؤال الأكثر أهمية: لماذا لا يعيد أعضاء مجلس إدارة المصارف الخاصة القروض التي استجروها لتعزيز متانة مصارفهم بدلاً من حجب الأرباح عن صغار المساهمين؟

بالمختصر المفيد: كان يمكن لتعميم المصرف المركزي أن يكون فعالاً لو اقتصر على عدم توزيع الأرباح على حيتان المال أو كبار المساهمين، واستثنى الصغار الذين يعتمدون على أرباح سنوية متواضعة لتأمين مستلزمات عيشهم اليومية.

علي عبود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *