الأدباء العظماء لهم أمراضهم أيضاً!

ربما نستطيع فهم بعض الصفات النفسية السلبية التي تميز سلوك بعض الأشخاص تجاه البعض الآخر كالنفور، أو التعالي، أو التقليل من الشأن، نتيجة للفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي قسّمت المجتمع تاريخياً إلى طبقات متفاوتة التكوين، لكل منها ثقافتها، وقيمها الأخلاقية، وقواعدها القيمية، كذلك نتفهم النظرة الاستعلائية للاقطاعي تجاه فلاحيه وأقنانه، ونظرة السيد المتغطرسة إلى عبيده وخدمه، ورب العمل المتعجرف إلى عماله الدائمين والمياومين، لكننا نجد صعوبة في تفهم سلوك بعض القامات الثقافية والفكرية والأدبية تجاه بعضها البعض، تلك النظرة التي تغدو متطرفة عند البعض، لتصل إلى حد الإلغاء للآخر، من منطلق المثل القائل أن “الله خلقه لوحده فرداً متفرداً ثم كسر القالب”، أترانا ننظر بعاطفية وذاتية قاصرة إلى الأمر، متجاهلين بأن للنجومية والتكريس في كل المجالات أمراضهما النفسية ومثالبهما، بل وقبحهما أيضاً؟ هكذا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام السؤال الثقافي التالي: لماذا لا يكون علو قامة المرء في مجال ثقافي فني أو أدبي، وامتلاؤه بمعارفه وعلومه، وتبحّره في مجال الإبداع، كفيلاً لوحده بغربلة روحه من عيوبها ونواقصها، ونرجسيتها الفاقعة، من منطلق قول الشاعر “ملء السنابل تنحني بتواضع/ والفارغات رؤوسهن شوامخ”، هذا القول الذي يستند بدوره إلى القاعدة المعرفية التي سنّها ذاك الفيلسوف المتواضع بقوله: أعلم شيئاً واحداً هو أنني لا أعلم.

الذي جعل الحديث يتخذ هذا المجرى هو ما ذكره الناقد الروسي بوريس بورسوف يوماً حول بعض مزايا شخصيتي الأديبين الروسيين العملاقين: تولستوي ودوستويفسكي، اللذين عاشا في العصر نفسه “القرن التاسع عشر، في كتابه “شخصية دوستويفسكي” الذي طبعته الهيئة السورية للكتاب، لعام 2017، بترجمة شائقة وأنيقة للدكتور نزار عيون السود. يقول المؤلف: “لقد كانا عدوين بقدر ما كانا حليفين، وربما أكثر، على أية حال، فقد كان الانجذاب المتبادل بينهما معادلاً للنفور المتبادل”، وهذا ما سنكتشفه من خلال هذه الشذرات التي سنسردها.

تروي زوجة دوستويفسكي بأن الأديبين الكبيرين دعيا لنشاط أقامته جمعية محبي الثقافة الروحية في بلدة سولياني، وقد لاحظت هي وزوجها بأن صديقهما الناقد المعروف ستراخوف المصاحب لتولستوي يتحاشاهما أثناء التقاء أعينهم ببعضها البعض ويشير لهما بإيماءة من رأسه. وحين سألاه مستفسرين، أثناء دعوة غداء إلى بيتهما، عن سر ذلك، أجاب بأن تولستوي طلب منه ألا يعرّفه على أحد، ولكن  دوستويفسكي يعاتبه قائلاً بأنه لن يسامحه، إذ ما الذي يضيره لو همس بأذنه عمن كان معه في تلك المحاضرة، لكان ألقى عليه نظرة ما على الأقل، بينما في “مطرحٍ” آخر، يمتدح تولستوي رواية دوستويفسكي “بيت الموتى”، ويعبّر عن إعجابه الشديد به أمام الناقد ستراخوف ذاته، ويطلب منه نقل مشاعره له بأنه يحبه ويضع عمله في مرحلة أعلى من جميع ما في الأدب الروسي، بما فيه بوشكين، وحين نقل ستراخوف إلى دوستويفسكي الرسالة المدحية، بدا عليه الذهول، لكنه استدرك قائلاً: لا يصح وضع أي عمل في مرتبة أعلى من بوشكين.

ومع أنه كان يرى في تولستوي قمة التطور الأدبي الروسي والأوروبي للعصر، لكنه لم يره روائياً عبقرياً، ولم ترد منه أية إشارة تدل على محبته لـ تولستوي، كما فعل هذا الأخير تجاهه بمناسبات عدة، بل كان يزعجه ويكدره الطابع التعليمي في أدبه، وها هو يبدي رأيه بروايته “أنا كارنينا” قائلاً: “إن مؤلف أنا كارنينا، بالرغم من موهبته الروائية الكبرى، هو أحد أصحاب العقول الروسية الذين يرون بوضوح ما هو موجود أمام أعينهم فقط، ولهذا فهم يركزون على هذه النقطة، ويبدو أنهم غير قادرين على إدارة رقابهم إلى اليمين أو اليسار لرؤية ما في الجانب، فمن أجل هذه الحركة، عليهم أن يستديروا بكامل أجسادهم”. ويتابع بسخرية أعلى مما سبق: “إن هؤلاء الناس، مثل مؤلف “أنا كارنينا” من حيث جوهرهم، هم معلمو المجتمع، معلمونا، ونحن مجرد تلاميذ عندهم، فماذا يعلّموننا؟”.

حين يتوفى دوستويفسكي يكتب ستراخوف رسالة إلى تولستوي يقول فيها: “إن الشعور بالفراغ الرهيب عزيزي ليف نيقولايفتش لا يفارقني ولا لدقيقة واحدة، منذ تلك اللحظة عندما علمت بموته، لقد سارت روسيا كلها في جنازة دوستويفسكي، وكأن نصف مدينة بطرسبورغ انهارت، أو مات نصف الأدب الروسي”، فيجيبه تولستوي بمثل أسلوبه من الحزن الرفيع: “أشعر وكأن دعامة قوية كانت تسندني قد انفصلت عني، وأدركت أنه كان الإنسان الأقرب، والأعز، والأهم بالنسبة لي، وهكذا كنت أعده صديقي، ولم أفكر بشيء آخر، بأننا سنلتقي، وأن هذا لم يتحقق، وقد استسلمت للبكاء، وماأزال أبكي”.

مع نبل هذه المشاعر بلا شك، ورغم إمكانية لقاء الرجلين الكبيرين، بل وحدوث تواجدهما في مكان واحد، يوماً ما، لكنهما لم يبادرا إلى التعارف، لكأن لسان حال كل منهما يقول: لماذا علي أنا المبادرة وليس هو؟!.. والغريب أيضاً أن كليهما قد حمّلا الناقد ستراخوف مسؤولية عدم تحقيق ذلك .

أوس أحمد أسعد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى