“خليك بالبيت”.. مفارقة كورونا امتحان للسياسات الاقتصادية

لم يتأثر الوضع المعيشي لمحمود العلي جراء جائحة كورونا، وهو المالك لعقار مؤلف من ست شقق مؤجرة جميعها بمبالغ كبيرة، كجاره رياض عيسى الذي يعمل أجيراً يومياً ليعيش هو وأفراد عائلته.. مفارقة خلقتها كورونا وأظهرت التفاوت الطبقي في المجتمع على حقيقته!!

تضاد
قد يكون فيروس كوفيد19 جمع العالم، ولأول مرة، على مواجهة عدو مشترك وربما تمكن من ضبط إيقاع وصخب الحياة المتسارع ولم شمل العائلة بعدما فرقتها مشاغل الدنيا واللهاث وراء لقمة العيش. لكن في المقلب الآخر، اجتمعت كورونا أيضاً على المواطن الفقير لتزيد من همومه وأوجاعه وتضعه على المحك.
رائد (سائق سرفيس) قال: في فترة العزل والتوقف عن العمل “دقنا الأمرين”، فأنا لا أملك أي عمل آخر سوى هذا الميكرو الذي كنت قد استأجرته. ومع ارتفاع الأسعار الجنوني كنت على وشك الانهيار أمام عائلتي الصغيرة لكن – كما يقال – الصبر مفتاح الفرج علّ عودتنا للعمل تعيد عجلة الحياة لمسارها.

أبو عزت لديه مصبغة صغيرة، وهو موظف، قال: المصبغة أغلقت وذلك التزاماً بالاجراءات الاحترازية، وعملي كموظف توقف، لكن الراتب “شغال”.. أستطيع القول: “مستورة”، والحمد لله.

علوان طالب جامعي مستأجر مع زملائه، ويعمل في أحد الفنادق، خسر عمله، وهو على وشك خسارة البيت الذي يقطنه، يطرح سؤالاً: هل يمكن أن نكون نحن من نعمل في القطاعات الخاصة من ضمن المتعطلين عن العمل، وبالتالي نحصل على تعويض، خاصة وأننا غير مسجلين في التأمينات ولا نملك أي ضمان صحي.
حديثو النعمة والتجار والأثرياء لم تتوقف أعمالهم على خلاف الشريحة الفقيرة ذات العمل اليومي، فهم يواصلون عملهم عبر الانترنت وبعضهم اعتبر فترة العزل وحملة “خليك بالبيت” فرصة للجلوس مع العائلة على اعتبار أنهم أصحاب رؤوس أموال ومالكو مدّخرات، ولن يتأثر دخلهم خلال سنة أو سنتين، ولن تترنح تجارتهم تحت ثقل كورونا.. هذا لا ينفي أن هناك خسائر كبيرة لحقت بالبعض، لكنها إذا ماقورنت بخسارة عامل بسيط لأجرته اليومية، والتي هي كل ما يملك لشهور عديدة، ستكون خسارة صغيرة.
ذلك أن هم نورا ابنة أحد التجار لا تتعدى كونها عزلت داخل البلد، ولم تتمكن من قضاء الصيف خارج سورية والقيام بالـ “Shopping” – على حد تعبيرها – فهي تمل من المكوث في البلد لفترة طويلة. أما زياد – وهو أيضاً من أصحاب الأموال – فيشرح: توقفت حركة السياحة، وبالتالي تراجع عدد النزلاء في الفندق الذي أملكه لكن لم أشعر صراحة بأزمة معيشية حتى الآن، فوضعي المادي جيد جداً، أما زوجته رانية فتقول: “كنت متأملة روح على قبرص هاي السنة.ز بس ما صحلنا بسبب الفايروس بلكي السنة الجاية”!

قبل وبعد كورونا
هيام عبده الخبيرة بالشأن الاجتماعي قالت: كوفيد 19 عدو غير مرئي ورغم ذلك اجتمع العالم على مكافحته، ولكنه ورغم عدم تفريقه بين غني وفقير ورئيس ومرؤوس كان بشكل غير مباشر ذا تأثير سلبي على أصحاب الدخل المتوسط وما دونه وعلى الشرائح الهشة، فكانوا أكثر ضرراً بسبب توقف أعمالهم، والمقصود بتلك الشرائح أصحاب المهن الحرة والأعمال اليومية. وجائحة كورونا التي تعصف بالعالم ستكون أشد وطأة على الشعوب والدول الفقيرة. وفي سورية هناك مهن متعددة توقف أصحابها عن العمل نتيجة الفيروس، وهم غير مسجلين في التأمينات الاجتماعية وربما قد يكون على غير دراية بالقناة الرقمية الخاصة بتسجيل بيانات الفئة المستهدفة بالحملة الوطنية للاستجابة الاجتماعية الطارئة على موقع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لذا فظروفهم المعيشية لابد وأنها ساءت جداً، ولاسيما أنهم لا يملكون أي مدخرات أو أملاك يستندون إليها للتكيف مع الظروف التي فرضها كورونا.

تضيف عبده: هناك اختلال بميزان القوة الشرائية والاقتصادية، وهذا الاختلال لايكون بمصلحة الطبقة الهشة والتي تعيش تحت خط الفقر أو حتى الفقيرة، وهناك اختلال تنموي أيضاً على مستوى المحافظات والمدن. الوجه الجيد – تقول عبده – ماقامت به الحكومة من خطوات احترازية للتخفيف من تفشي الفيروس وحاولت تعويض المتعطلين عن العمل، لكن لابد من اتخاذ خطوات احترازية لاحقة لأن مرحلة مابعد كورونا لاتقل أهمية على مستوى الملف الاجتماعي والعمل، حيث لابد من التزام أصحاب المنشآت بتسجيل عمالهم بالتأمينات الاجتماعية والضمان الصحي ودعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر والمساهمة في توسيعها، وتشجيع الأفراد على خلق فرص عمل تنتج مالاً إضافياً يقيه شر الحاجة وقساوة الأيام .

نجوى عيدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى