القضية الفلسطينية.. الفن في المواجهة

فن القضية الفلسطينية هو كل ما عبّر عن فلسطين من فنون، سواء أكان شاهداً عليها يعكس واقعها، أم كان محرّضاً للتضامن معها، أم كان داعية لها لتحقيق انتصارها، أم كان حتى مساهماً في تأكيد الوجود الفلسطيني عبر اللوحة أو الملصق السياسي، وكل أساليب التعبير التي التزمت بهذه القضية حتى لو لجأت للمباشرة واستخدام الرموز أو تسجيل التراث تأكيداً لارتباط الشعب بأرضه وبأصالته القديمة التي ازدادت أهميتها بعد تهديد الوجود وتغيير ملامح الحياة الفلسطينية وسرقة التراث، ومن الصعب الإحاطة بكل ما رسم حول القضية الفلسطينية، وما عبّر عنه الفنانون في أعمالهم، ولكن يمكن التذكير بالمراحل المختلفة التي مر بها الفن الفلسطيني تساعدنا على توضيح تطور مساره من النكبة إلى يومنا، وتقديم فكرة شمولية عنه، ونستشهد ببعض ما نشر حوله وكتب من بحوث نقدية موازية، وجهود حفظ وتوثيق أنجزتها مراكز الأبحاث المختلفة، ففي البدايات كان الفن الفلسطيني شاهداً سجل في اللوحات الأولى واقع شعب مشرد يعيش في الخيام، في شهادة حية عن وجوه حزينة متعبة في لغة تسجيلية واقعية بليغة قدمها مؤسس الحركة التشكيلية الفلسطينية ورائدها الفنان الراحل إسماعيل شموط، ابن مدينة اللد، الذي أجبرته النكبة على اللجوء في غزة، والعيش في مخيم خان يونس، وقد أقام معرضه الأول في عام 1953، ودرس الفنون الجميلة في القاهرة، وتبعته الفنانة تمام الأكحل، كما تابع تحصيله في ايطاليا، وانتقل لاحقاً إلى بيروت ليشكّل الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين، ومن أعماله لوحة العطش التي عبّرت عن قساوة المسير واللجوء، وقساوة العطش في ترميز للضياع والتشرد والخوف، وهي بمثابة سيرة ذاتية لعائلة الفنان أثناء نزوحهم.

في المرحلة التالية، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة، واعتمادها الكفاح المسلّح طريقاً لتحرير فلسطين، تصاعد العمل الفدائي، وتبدلت صورة الفلسطيني من لاجئ إلى مقاتل يعد العدة للعودة والتحرير بالاعتماد على قوته الذاتية، ومستعيناً بالدعم العربي والعالمي ليصبح رمزاً للكفاح وطليعة نضالية، ما دفع بالفن الفلسطيني إلى المباشرة والمبالغة، حيث اللغة الانفعالية العالية تعكس واقع الشهادة، والتحريض على حمل السلاح، وتصوير الفدائي المعتمر بالكوفية بطلاً خارقاً ماجداً لا خلاص إلا في بندقيته كمثل أعلى، فبرز الإعلان وفن الملصق كفن جماهيري محرّض، وأضحى سمة أساسية للتشكيل الفلسطيني يمتلك مقومات دعائية كبيرة عن الشهداء ومناسبات منظمة التحرير، فكانت فترة النصف الثاني من الستينيات من القرن الماضي حتى نهاية السبعينيات تسمى بزمن الملصق الفلسطيني، حيث لا يخلو جدار في أي مخيم فلسطيني من هذه الملصقات المعروفة لفنانين منهم عبد الرحمن المزين، وتوفيق عبد العال، وعبد الرحمن مرضعة، وجمال الأبطح، وعبد المعطي أبو زيد، ومصطفى الحلاج، وإبراهيم هزيمة، وقد ساهم فنانون عرب وأجانب من أوروبا الشرقية وكوبا وأمريكا اللاتينية في إنتاج بعض هذه الملصقات.

المرحلة الثالثة تتسم بالبحث عن الجذور والأصالة بعدما كان الفن شاهداً ومحرّضاً أضحى ذا وظيفة باحثاً عن جذوره ليعمّق حضوره، فدخل مرحلة جديدة تتسم بالتنقيب والبحث لارتباطها بحاجة أساسية هامة تمر بها القضية الفلسطينية، وهي الحاجة إلى تأكيد الوجود، والإعلام عنه بأسلوب فني متميز يصل الناس في كل العالم، مؤكداً وجود هذا الشعب عبر آلاف السنين، وقد رصدت مجلة الحياة التشكيلية السورية في عددها الثالث من عام 1981هذا الجانب من خلال لقاءات مع بعض الفنانين الفلسطينيين ضمن ملف مخصص عن الفن الفلسطيني المعاصر، حيث يقول الفنان مصطفى الحلاج: ساحة المعركة واسعة، نحن أمام عدو مغتصب يدعي أحقيته في ملكية هذا الوطن، الفن هو الشهادة الحقيقية على عروبة فلسطين وهويتها التاريخية، والعدو طارئ وكذاب، والفن ليس للتعبير عن المأساة والحلم فقط، وإنما يعرف بدوره في التعريف بالهوية الفلسطينية في مواجهة الإعلام الصهيوني، لأن العدو يسرق التراث الفلسطيني، لكنه لن يستطيع سرقة طاقة الخلق لدى الفنان، فهو الشهادة الحية الباقية، وما الزخارف التي تظهر في أعمالي إلا جزء من قيمة جمالية يمتلكها الفلكلور الفلسطيني، وهي ليست من ابتكاري، بل تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، فكيف نترك زخارفنا الشعبية الفلسطينية، والصهاينة يقيمون لها المعارض في عواصم الغرب وينسبونها لهم؟!.

ولتجربة الفنان عبد الحي مسلم مكانة كبيرة في هذا الجانب التعريفي بالتراث والهوية الفلسطينية، فهو صاحب التقنية المسماة بعجينة نشارة الخشب، حيث يشكّل منها روليفات صغيرة تمثّل صوراً عن الحياة الفلسطينية مثل العرس والحناء وقطاف الزيتون، وقد سميت هذه التجربة بعجينة الذهب لقيمتها الفنية العالية، ولم يترك أي تفصيل من الحياة الفلسطينية إلا ورسمها هذا الفنان الفطري، صاحب التجربة الخاصة.

وفي الأرض المحتلة برز عدد من الفنانين الذين وصلت لوحاتهم إلى عواصم العالم ودخلت البيوت، منهم سليمان منصور، ومحمد عبد السلام، وكامل المغني، وبشير السنوار، ومنهم من اعتقل في سجون الاحتلال لسنوات، وتتسم أعمالهم بالرمزية، وبالتعبير غير المباشر كضرورة فنية من أجل الاستمرار في الإنتاج، وتوزعت الرموز على عناصر عربية فلسطينية مستقاة من الحياة الفلسطينية والجذور الكنعانية، فالمرأة في لباسها الشعبي تحمل سلة البرتقال، والحصان العربي، والكتابات العربية، وقبة الصخرة، وغيرها التي أضحت رموزاً مقاومة للطمس وإلغاء الهوية، وبالمقابل صورة الاحتلال السوداء في اللوحة تأخذ رموزاً متعددة كالوحش، والأفعى ذات الأنياب، والمدافع أو سبطانات البنادق السوداء، وقسمات الجنود القاسية في مواجهتها لفلاح فلسطيني يحمل معوله، ويضرب كل هذا الجمع من الرماد الموحش.

عُرف الفنانون الفلسطينيون بالتزامهم قضيتهم، كما حافظوا على متطلبات القيمة الفنية الإبداعية الأصيلة، ورفض بعضهم السذاجة الفنية باسم القضية، ولم يتنكروا لهويتهم، مؤكدين على أن الثورة هي حالة إبداع، ولن يكون هناك إبداع بلا ثورة أو قضية، ونجد هذا التوجه واضحاً عند الفنانين الشباب، وجيل بعد الثمانينيات، حيث بدأت ملامح تلاقح مع تجارب فنية عالمية معاصرة وجديدة، لكن توجهاتهم التعبيرية لا تتجاوز مشاغل مجتمعاتهم، وواقع مخيماتهم المؤلم، لكنهم يمتلكون من التفاؤل الذي يحطم روح الانهزام مثلما يمتلكون أدوات تفاعل حضارية جديدة تقودهم إلى حوار جمالي مع كل مثقفي العالم، مسلّحين بسجل عظيم لشعبهم مسطّراً بقوافل من الشهداء، وتزينه أنصع صفحات الإبداع في ميادين الثقافة والعلوم والفنون.

أكسم طلاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *